من الملامح التربوية لشخصية الشيخ / علي الطنطاوي ( رحمه الله وغفر له )

صالح بن علي أبو عرَّاد
من الملامح التربوية لشخصية الشيخ / علي الطنطاوي ( رحمه الله وغفر له ) =-=-=-=-= الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدّر فهدى ، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد الأتقياء الذي فاق البُلغاء ، وعلّم العُلماء ، وعلى آله وصحبه النبلاء ، أما بعد ؛ فقليلون هم الرجال الذين تُخلد أسماؤهم وتبقى ذكراهم ، وقليلون هم العُلماء الذين ينفع الله - تعالى - بعلمهم ومآثرهم التي تتوارثها الأجيال وتُفيد منها الأُمة . ولا شك في أن فضيلة الشيخ / علي الطنطاوي واحدٌ من هؤلاء الرجال الذين لا زالت وستظل ذكراهم على كل لسان . فقد كان ( رحمه الله تعالى ) علماً بارزاً واسماً لامعاً في زمنٍ ازدحم بالعلماء في شتى العلوم والفنون والمعارف ، وليس هذا فحسب ؛ بل إنه كان موسوعةً للكثير من العلوم والمعارف والفنون والآداب ، كما أنه كان بحق شاهداً على أحداث ما يقرب من قرنٍ كاملٍ من الزمان . وكان إلى جانب ذلك كله مُبرزاً في الكثير من المجالات والميادين العلمية والعملية ؛ فهو الأديب البارع ، والداعية المؤثر ، والخطيب المفوّه ، والكاتب المتميز ، والفقيه المجدِّد ، والمربي الموسوعي . وفيما يلي محاولةٌ للحديث عن بعض الملامح التربوية التي تميزت بها شخصية الشيخ / علي الطنطاوي ( رحمه الله ) ، حاولتُ تسليط الضوء عليها من خلال قراءةٍ سريعةٍ لبعض النصوص التي كتبها بقلمه السيال في أحد مؤلفاته الذي يحمل عنوان " من حديث النفس " قال في بدايته : " أرجو من القارئ ألاَّ ينظر في فصلٍ من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته ؛ فليس كل ما فيه لـ ( علي الطنطاوي ) الذي يكتب هذه المقدمة ، بل إن كل فصلٍ فيه لـ ( علي الطنطاوي ) الذي كان في ذلك التاريخ " ( 1 ) . أما أبرز الملامح التربوية التي تميزت بها شخصية الشيخ / علي الطنطاوي الأدبية ؛ فمنها على سبيل المثال : ( 1 ) السعي الجاد والحثيث في طلب العلم ، مما جعله موسوعةً علمية ضخمة ؛ بل دائرة معارف مُتنقلة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ، حتى أنه يقول عن نفسه : " وأذهبتُ في المطالعة حدَّة بصري ، وملأت بها ساعات عمري . وصرمت الليالي الطوال أقرأ و أُطالع ، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً ؛ من أُدباء اليوم من لم يفتحها مرةً لينظر فيها " ( 2 ) . ونظرًا لتكدس الثقافة في صدره ، فقد جعله ذلك لا يصبر في الكتابة على موضوعٍ واحدٍ ، وإنما يستطرد كثيرًا حتى أنه كان كثيراً ما يتحدث في موضوعٍ ما ، ثم يتوسع في الحديث عنه حتى إذا رأى أنه قد خرج عن الموضوع تدارك الأمر مُشيراً إلى أنها " معلومةٌ على الهامش " . وفي حالاتٍ أُخرى نراه وقد تشعب به الحديث حتى ينسى الموضوع الأصلي الذي كان يتحدث فيه ؛ فيطلب ممن حوله تذكيره به . كل هذا وغيره كثير ليس إلاَّ دليلاً على غزارة علمه وسعة اطلاعه وموسوعيته العلمية . ( 2 ) اعتزازه بالعروبة والإسلام ؛ مما أدى إلى ثباته و رسوخ مبادئه التي كان يُنافح عن حياضها طول سنوات عمره ، دونما كللٍ أو مللٍ لأنه كان في ذلك كله صاحب رسالةٍ يؤمن بها ولا يبتغي بها بديلاً ؛ وفي ذلك يقول : " إن لديَّ أشياءً ما بدلتها قط ، ولن أُبدلها إن شاء الله ، هي أني حاربت الاستعمار وأهله وأعوانه وعبيده دائماً ، ومجَّدت العربية وسلائقها وأمجادها وبيانها دائماً ، وكنت مع الإسلام وقواعده وأخلاقه وآدابه دائماً . ولقد بلغ ما طُبع من كلامي عشرة آلاف صفحة ، لو نخلتها نخلاً ، ما وجدت فيها بحمد الله سطراً فيه تزلفٌ للظالمين ، ولا سطراً فيه إزراءٌ على العربية ، ولا سطراً فيه خروجٌ على الإسلام . وشيءٌ آخر هو أني ما كُنت أبداً في ( حزبٍ ) ، ولا جماعةٍ ، ولا هيئةٍ ، وما كان قلمي لهيئةٍ ولا جماعةٍ ولا حزب " ( 3 ) . ( 3 ) تربويٌ بطبعه وسليقته ، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك بساطة أُسلوبه ، وسهولة عبارته ، وجمال منطقه الذي كان يأسر به مستمعيه في خُطبه ودروسه ومحاضراته وبرامجه الإذاعية والمتلفزة ؛ وليس هذا فحسب فقد تميز – رحمه الله – بأُسلوبٍ أدبيٍ رفيعٍ جعل من كتاباته المختلفة تُحفاً أدبيةً رائعةً لا يملُ القارئ تكرار قراءتها والاطلاع عليها وفي ذلك يقول :

 

من الملامح التربوية لشخصية

 الشيخ / علي الطنطاوي ( رحمه الله وغفر له )

=-=-=-=-= 

الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدّر فهدى ، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد الأتقياء الذي فاق البُلغاء ، وعلّم العُلماء ، وعلى آله وصحبه النبلاء ، أما بعد ؛

فقليلون هم الرجال الذين تُخلد أسماؤهم وتبقى ذكراهم ، وقليلون هم العُلماء الذين ينفع الله - تعالى - بعلمهم ومآثرهم التي تتوارثها الأجيال وتُفيد منها الأُمة . ولا شك في أن فضيلة الشيخ / علي الطنطاوي واحدٌ من هؤلاء الرجال الذين لا زالت وستظل ذكراهم على كل لسان . فقد كان ( رحمه الله تعالى ) علماً بارزاً واسماً لامعاً في زمنٍ ازدحم بالعلماء في شتى العلوم والفنون والمعارف ، وليس هذا فحسب ؛ بل إنه كان موسوعةً للكثير من العلوم والمعارف والفنون والآداب ، كما أنه كان بحق شاهداً على أحداث ما يقرب من قرنٍ كاملٍ من الزمان .

وكان إلى جانب ذلك كله مُبرزاً في الكثير من المجالات والميادين العلمية والعملية ؛ فهو الأديب البارع ، والداعية المؤثر ، والخطيب المفوّه ، والكاتب المتميز ، والفقيه المجدِّد ، والمربي الموسوعي .

وفيما يلي محاولةٌ للحديث عن بعض الملامح التربوية التي تميزت بها شخصية الشيخ / علي الطنطاوي ( رحمه الله ) ، حاولتُ تسليط الضوء عليها من خلال قراءةٍ سريعةٍ لبعض النصوص التي كتبها بقلمه السيال في أحد مؤلفاته الذي يحمل عنوان " من حديث النفس "  قال في بدايته :

 

 " أرجو من القارئ ألاَّ ينظر في فصلٍ من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته ؛ فليس كل ما فيه لـ ( علي الطنطاوي ) الذي يكتب هذه المقدمة ، بل إن كل فصلٍ فيه لـ ( علي الطنطاوي ) الذي كان في ذلك التاريخ " ( 1 ) .

أما أبرز الملامح التربوية التي تميزت بها شخصية الشيخ / علي الطنطاوي الأدبية ؛ فمنها على سبيل المثال :

 ( 1 ) السعي الجاد والحثيث في طلب العلم ، مما جعله موسوعةً  علمية  ضخمة  ؛ بل دائرة معارف مُتنقلة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ، حتى أنه يقول عن نفسه :

" وأذهبتُ في المطالعة حدَّة بصري ، وملأت بها ساعات عمري . وصرمت الليالي الطوال أقرأ و أُطالع ، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً ؛ من أُدباء اليوم من لم يفتحها مرةً لينظر فيها " ( 2 ) .

ونظرًا لتكدس الثقافة في صدره ، فقد جعله ذلك لا يصبر في الكتابة على موضوعٍ واحدٍ ، وإنما يستطرد كثيرًا حتى أنه كان كثيراً ما يتحدث في موضوعٍ ما ، ثم يتوسع في الحديث عنه حتى إذا رأى أنه قد خرج عن الموضوع تدارك الأمر مُشيراً إلى أنها " معلومةٌ على الهامش " .

وفي حالاتٍ أُخرى نراه وقد تشعب به الحديث حتى ينسى الموضوع الأصلي الذي كان يتحدث فيه ؛ فيطلب ممن حوله تذكيره به . كل هذا وغيره كثير ليس إلاَّ دليلاً على غزارة علمه وسعة اطلاعه وموسوعيته العلمية .

( 2 ) اعتزازه بالعروبة والإسلام ؛ مما أدى إلى ثباته و رسوخ مبادئه التي كان يُنافح عن حياضها طول سنوات عمره ، دونما كللٍ أو مللٍ لأنه كان في ذلك كله صاحب رسالةٍ يؤمن بها ولا يبتغي بها بديلاً ؛ وفي ذلك يقول :

 " إن لديَّ أشياءً ما بدلتها قط ، ولن أُبدلها إن شاء الله ، هي أني حاربت الاستعمار وأهله وأعوانه وعبيده دائماً ، ومجَّدت العربية وسلائقها وأمجادها وبيانها دائماً ، وكنت مع الإسلام وقواعده وأخلاقه وآدابه دائماً . ولقد بلغ ما طُبع من كلامي عشرة آلاف صفحة ، لو نخلتها نخلاً ، ما وجدت فيها بحمد الله سطراً فيه تزلفٌ للظالمين ، ولا سطراً فيه إزراءٌ على العربية ، ولا سطراً فيه خروجٌ على الإسلام . وشيءٌ آخر هو أني ما كُنت أبداً في ( حزبٍ ) ، ولا جماعةٍ ، ولا هيئةٍ ، وما كان قلمي لهيئةٍ ولا جماعةٍ ولا حزب " ( 3 ) .  

( 3 ) تربويٌ بطبعه وسليقته ، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك بساطة أُسلوبه ، وسهولة عبارته ، وجمال منطقه  الذي كان يأسر به مستمعيه في خُطبه ودروسه ومحاضراته وبرامجه الإذاعية والمتلفزة ؛ وليس هذا فحسب فقد تميز – رحمه الله – بأُسلوبٍ أدبيٍ رفيعٍ جعل من كتاباته المختلفة تُحفاً أدبيةً رائعةً لا يملُ القارئ تكرار قراءتها والاطلاع عليها وفي ذلك يقول :

" وما يُسميه القراء أُسلوبي في الكتابة ، ويدعوه المستمعون طريقتي في الإلقاء ؛ شيءٌ مَنَّ الله به عليَّ ، لا أعرف إلاَّ أني أكتب ، وأتكلم حين أتكلم منطلقاً على سجيتي وطبعي ، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمةٍ دون كلمة ، ولا سلوك طريقٍ دون طريق ، ولا أتكلف في الإلقاء رنَّةً في صوتي ولا تصنعاً في مخارج حروفي " ( 4 ) .

وليس هذا فحسب ؛ فقد تميز أُسلوب الشيخ الطنطاوي بالطرفة الجميلة ، والنكتة البـريئة التي عادةً ما تأتي عفويةً في أقواله ، وضمنيةً في كتاباته ، و دونما تكلفٍ أو تصنع .

( 4 ) مُراعاة طبيعة المُتلقين والفروق الفردية بينهم ، ولذا نراه ينوِّع في صيغة خطابه ذي المضامين التربوية و الأدبية سواءً أكان مكتوبًا أم مسموعًا ؛ فقد خاطب مختلف الفئات المجتمعية ، وكتب لهم ناصحًا ، وموجهًا ، ومُحذرًا ، ومذكرًا .

وكان خطابه في كل مرةٍ زاخراً بالنصائح الصادقة ، والمواعظ المؤثرة ، والتوجيهات السديدة ، والطرح المنطقي الذي يأتي مصاغاً في قالبٍ أدبيٍ رفيع المستوى ، حتى إن القارئ لما كتبه والسامع لما ألقاه يتفاعل معه ولو بعد حين ، وكأنه يعيشه واقعاً ماثلاً أمامه . 

( 5 ) الإرادة القوية التي نشأ عنها قناعته الكاملة بما يقول ويفعل ، وعدم تأثره بما يُكتب عنه أو يقال فيه من الآخرين سواء أكان ذلك مدحاً له ، أو قدحاً فيه ، وبخاصةٍ إذا كان ما أقدم عليه من قولٍ أو فعلٍ مرتبطاً بأمرٍ من أمور الدين أو الدنيا التي يؤمن بها ولا يرضى بالمساومة عليها ، وفي ذلك يقول :

 " ولقد اشتغلت الجرائد منذ سنة أُسبوعاً كاملاً بشتمي و سبي في صفحاتها الأولى من أجل تلك الخطبة المشهورة ، وفعلت مثل ذلك أيام الانتخاب سنة 1947م ، ونسبت إليَّ نقائص تشين إبليس ، فهل يُصدق القراء أني لم أُبال بها ، حتى أني لم أقرأ أكثرها . أُقسم بالله أنَّ هذا الذي كان ! ولقد نشرت الجرائد مراتٍ أُخرى أطيب الثناء عليَّ ، وألصقت بي مناقب تزين الملائكة فما باليت بها أيضاً ، لأن قصد الأمور ذميم ، والثناء إن زاد كالهجاء إن زاد ؛ كلاهما أقرب إلى الكذب ، وما أنا مَلكٌ ولا أنا شيطان ، ولي حسنات ولي سيئات ، وأنا أعرف بنفسي من سائر الناس " ( 5 ) .

( 6 ) إخلاص النية لله تعالى ، فهو لا يطلب الأجر ولا يبتغي الثواب إلاَّ من الله تعالى وحده على كل ما قال وكتب وعمل ، ويتبع لذلك عدم اغتراره أو انخداعه بما جرت به العادة في زماننا من المظاهر الزائفة المتمثلة في خطابات الإعجاب ، ومقالات المديح ، وحفلات التكريم ، ونحو ذلك مما لا يُفيد ولا ينفع . وفي ذلك يقول :

" والثواب هو وحده الذي يبقى ، على حين يفنى الإعجاب ، وتذهب الأموال ، ويعود إلى التراب كل ما خرج من التراب . ولدعوةٌ واحدةٌ لي بعد موتي ، من قارئٍ حاضر القلب مع الله ، أجدى عليَّ من مئة مقالةٍ في رثائي ، ومئة حفلةٍ في تأبيني ؛ لأن هذه الدعوة لي أنا ، والمقالات والحفلات لكُتابها وخطبائها ، وليس للميت فيها شيء " ( 6 ) . 

          وبعد ؛ فليس ما تقدم إلا قطرة من بحر ، وسطرٌ من قمطر ، ولو أنني تتبعتُ كل ما توحي به مقالات شيخنا علي الطنطاوي لطال الوقت ، وزاد عدد الصفحات . ولعل فيما كُتب دلالةٌ وإشارة ، ودافع للكُتاب والباحثين والدارسين لتسليط المزيد من الضوء على تراث شيخنا علي الطنطاوي - غفر الله له ورحمه - ، وجمعنا به في مستقر رحمته ، إنه على كل شيءٍ قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .   

__________

الهوامش :

( 1 ) علي الطنطاوي ، ( 1411هـ / 1990م ) . من حديث النفس . ط ( 4 ) . جدة : دار المنارة . ص ( 7 ) .

( 2 ) المرجع نفسه  . ص ( 223 – 224 ) .

( 3 ) المرجع نفسه  . ص ( 7 – 8 ) .

( 4 ) المرجع نفسه  . ص ( 224 ) .

( 5 ) المرجع نفسه . ص ( 202 ) .

( 6 ) المرجع نفسه . ص ( 8 ) .