الغلو معالمه ومخاطره

الشيخ علي بادحدح

 الحمد لله جل جلاله، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعم نواله، وعظم عطاؤه، وتعددت آلاؤه، له الحمد سبحانه وتعالى، جعل الإسلام يسراً، وجعل المسلمين أمة وسطاً، نحمده سبحانه وتعالى على آلائه الجليلة، ونعمه الكثيرة، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعه واقتفى أثره ونهج نهجه إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون! فمن حديثنا السالف في جمعتنا الماضية جاءني من الإخوة المصلين من هو مستحسن وموافق، ومن هو طالب ومستزيد، ومن ما زال عنده بعض حيرة وتساؤل، ولأننا كما تعودنا دائماً نؤكد ونذكر أنفسنا بقصد وجه الله سبحانه وتعالى والإخلاص له، وإرادة الخير والهدى والمصلحة لأمة الإسلام والمسلمين؛ نشرع في بيان قد يطول، لكنه مهم ومفيد، ولأننا وكما أكدنا كثيراً في السابق لا نريد أن تكون أقوالنا وأحاديثنا ردود أفعال مؤقتة، أو عواطف متأججة لا يخالطها أصالة المنهج العلمي، واتزان التفكير المنهجي، ومن ثم فإن بعض الذين رأوا أهمية لمثل تلك الموضوعات التي تعالج أحوالنا، وما قد يقع من خلل في مجتمعاتنا؛ أراد الحديث عن التكفير وبيان خطورته، وآخر أراد أن يكون هناك مزيد من البيان لمثل هذه المسائل.

وسيكون حديثنا عن الغلو معالمه ومخاطره، ونبدأ فيه ببيان معناه، ثم نؤكد أصالة المنهج في سمة الإسلام وخصائصه.

الغلو في لغة العرب: مجاوزة الحد، وكل من غلا فقد تجاوز الحد.

والمعنى الاصطلاحي كما عبر عنه كثير من العلماء: مجاوزة الحد والتشدد فيه. المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد أي: في الأمور الدينية المشروعة.

وألفاظ أخرى تدور في هذا الفلك منها التطرف، وهو في لغة العرب أيضاً: حد الشيء، وفي بيان المعنى اللغوي قال كثير من أهل العلم باللغة: إن التطرف هو طلب نهاية الحد أي: طرفه الأقصى والأبعد، وهو قريب من معنى الغلو في هذا، ثم التنطع وأصله من النطع وهو: ملاسة الملمس، ونطع الفم: وهو غار الفم وهو الحنك الأعلى، لا يظهر إلا إذا رفع الإنسان صوته، وتشدق في كلامه وتعمق، فصار -كما قال أهل اللغة- قريناً لكل تنطع وتعمق، والتشدد هو: أخذ الأمور بالشدة، وترك الرفق، والعنف كذلك مثله.

فهذه المعاني تدور كلها على الشدة التي تبلغ حداً يتجاوز الحد، وكلها متقاربة المعنى، فالغلو وأهله تجمعهم هذه الصفات في جملتها، تشدد في الأخذ بالدين، وتعمق في أفعالهم وأعمالهم، وعنف وتشدد في معاملة الآخرين، ولكننا قبل أن نمضي في هذا المعنى، ونفرع في صوره وأشكاله، أو نذكر معالمه وملامحه نقول سؤالاً مهماً:

قولهم: (تجاوز الحد) أي حد هذا الذي يتحدث أهل العلم عن تجاوزه؟

إنه الحد الشرعي الذي يعتبر الخروج عنه مذموماً سواء كان تجاوزاً له وزيادة عليه بالغلو، أو كان قصوراً عنه وتركاً له بالجفاء، ومن هنا نعرف ما قاله أهل العلم أن الدين ضاع بين الجافي عنه والغالي فيه، الجافي عنه مفرط بالأخذ به، مقصر في التمسك بأحكامه، متهاون في التزامه وتطبيقه؛ والغالي فيه زائد عن المشروع فيه، متشدد في فهم أصوله الصحيحة، وقاس وعنيف وغير رفيق في معاملة الآخرين بما هو تجاوز للحد المشروع، فلا هذا مقبول، ولا ذاك مقبول.

ومن المهم كثيراً أن نقف على هذا الحد، وأن نعرف أصل الدين حتى نعرف بعد ذلك من يزيد عليه ويغلو فيه، أو من يقصر عنه ويجفوه، فإنه لا تتبين الأطراف إلا إذا عرف الأصل، ولا تعرف الغايات في الطرفين إلا إذا عرف الوسط، ولعلنا معنيون بذلك أكثر؛ لأن فهم أصل الدين وحقيقته وسماحته وخصائصه هو الذي يجعلنا ندرك تماماً مفهوم الغلو في الدين وفق ما جاء في مصطلح الشرع في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والحديث قد يطول بنا في هذا، والناس ما زالوا متعلقين بالحديث المباشر عن الغلو أو التكفير، ومرة أخرى أعيد الكرة: نريد منهجاً سديداً، ونريد فكراً رشيداً، ونريد علماً مؤصلاً، لا نريد هيشات فارغة، ولا حماساً متعجلاً، ولا معالجة آنية قاصرة، وفهم الدين في أساسه هو أعظم الأمور.
    سمات وخصائص الإسلام     

وليس لنا حديث في هذا اليوم إلا في بيان الأصل، والحد المشروع في سماته وخصائصه العامة؛ ليتضح من بعد ما نرجو أن يوفق الله إليه من إكمال الحديث في الغلو ومعالمه ومخاطره.

وهذه سمات وخصائص الإسلام التي تتعلق بهذا المعنى في الخروج عنها إلى الغلو عنها أو الجفاء:
 الوسطية     

السمة الأولى: الوسطية، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، إنه الوصف الرباني الإلهي لأمة الإسلام، والوصف إذا ذكر فله سمات مهمة:

أولها: أنه ظاهر بين، إذا أردت أن تصف إنساناً فلا يمكن أن تصفه بصفة خفية لا يعرفها إلا المقربون منه، ربما نصفه بعرج في رجله أو شيء في عينه يراه الناس، لكني إن وصفته بشامة في داخل جسمه من عسى أن يدركها؟ فإن قلنا: أمة الإسلام أمة الوسط فمعناه أن هذه الصفة ظاهرة بينة.

وأمر ثان في الصفة وهو أنها ملازمة دائمة، لا نقول عن إنسان: إنه كريم؛ لأنه أنفق مرة واحدة، بل لا نعطيه الصفة إلا إذا كانت ملازمة له ودائمة في سائر أحواله:

لعمر أبيك ما عرف المعلا كريماً وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت وأصحر نبتها رؤي الهشيم

فإذاً: الوسطية سمة في الإسلام في كل الأحوال، في السراء والضراء، في السلم والحرب، في معاملة الأحباء ومعاملة البغضاء لا يتغير ذلك.

كما هي الصفة اللازمة الدائمة، وكما كان سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه أن يرزقه الله سبحانه وتعالى العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، إنه الأمر الدائم، والسمة اللازمة.

ونحن نعرف أن هذه الوسطية تجمع بين أمرين اثنين لابد من وجودهما في كل معنى من هذه المعاني:

أولاً: الخيرية. ثانياً: البينية الوسطية معنوية وحسية، فلا يمكن أن يكون الشيء وسطاً إلا إذا كان هو الأفضل والأعدل والأحسن والأكمل.

ومن دلائل هذه الخيرية والعدالة والأفضلية أنه وسط بين المذموم من الطرفين، وهذه سمة الإسلام، وسمة أهله، وسمة تشريعاته، وسمة عقائده، سمة الوسطية أمرها يطول إذا أردنا أن نتحدث عنها أو أن نفيض القول في دلائلها، وحسبنا أن نبرز ذلك في الأمور الظاهرة البينة مما كتبه عمر بن عبد العزيز في بعض رسائله لبيان حقيقة الإسلام، وصفة مواقف السلف رضوان الله عليهم، قال رحمه الله في هذا المعنى: (لقد قصر قوم دونهم -أي: دون سلف الأمة- فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم)، الوسطية خير وفضل، ينأى ويبتعد عن تساهل وتفريط، وعدم تعظيم للدين وأخذ به، ويجتنب كذلك تشدداً ليس من دين الله وتجاوزاً للحد ليس في شرع الله، فتكون حينئذ خيرية ووسطية بينية.

ومما قاله ابن القيم في بيان هذا المعنى: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد.

واستمع إلى نماذج يسيرة يضيق المقام عن استقصائها: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] ليس ذماً للدنيا، وليس إغراقاً فيها وتعلقاً بها، وجعلها مقصد الإنسان الأول والأخير والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].

وفي موطن آخر التحذير من التعلق بالدنيا وجعلها غاية الهم وأعظم الشغل، قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20]، كما بين الله سبحانه وتعالى في هذا المثل، وجاء في آخر هذه الآية ما يبين لنا ذلك التوازن والتوسط الذي ينبغي أن نأخذ به في مثل هذا المثال.
 اليسر في دين الله سبحانه وتعالى     

السمة الثانية: اليسر في دين الله سبحانه وتعالى، وقد جاءت الآيات بينة واضحة في إرادته وقصده، ووصف الإسلام وتشريعاته به كما قال الحق جل وعلا: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وكما قال الحق سبحانه وتعالى في أصل هذا الدين، ونعمة الله على البشرية ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157].

إنها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ترفع الأغلال، وتضع الإصر والأحمال، بما جاء به من هذه الشريعة الميسرة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه برفق)، القائل هو أعظم الناس التزاماً بهذا الدين، وأكثرهم أخذاً بشرائعه وعباداته، ثم يقرر هذه الحقيقة: (إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه برفق)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً صفة بعثته ورسالته: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) رواه مسلم من حديث عائشة .

وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن خير الدين أجاب بقوله: (الحنيفية السمحة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والطبراني بسند رجاله ثقات: (إن خير دينكم أيسره)، واليسر المقصود هنا الذي نقل لنا التزامه وتطبيقه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، ليس اليسر هو الترخص والتفريط الناشئ عن عجز الناس وخور هممهم، وضعف عزائمهم، وقلة تعلقهم بأمر الله وثوابه سبحانه وتعالى، فإن ذلك عجز وليس يسراً.

وهذا أمر مهم في كل ما نذكره أن المقياس والمرجع في فهم اليسر وتحديده هو الكتاب والسنة، والتطبيق العملي في سيرة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهاهو النبي في أمثلة وجيزة نوردها هنا -بحسب المقام- يدلنا على أهمية هذا اليسر والالتزام به، فهو يقول: (لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وكما قال في غير ذلك مثل هذا المعنى: (لما جاءه الرجل يشكو إطالة إمامهم في الصلاة حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم وقال: أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة) رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.

ثم نرى ذلك في صوره المختلفة، وتعاملاته المتنوعة، فعندما بعث معاذاً وأبا موسى الأشعري كانت وصيته الأولى لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)، وما أعظمها من وصية لكل من يريد أن يصلح الأمة أو أن يدعو أبناءها أو أن يحكم بينها! فلابد من تقديم اليسر على العسر، ولابد من تقديم التبشير على التنفير، ولابد كذلك من المطاوعة لا الاختلاف والمنازعة، وهذا أمر بين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد فيه أيضاً إلى آحاد الأفراد في أعمالهم: (رأى حبلاً متدلياً من سارية من سواري المسجد فسأل عنه فقالوا: حبل لـزينب تصلي فإذا تعبت تعلقت به، فقال: ليصل أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد)، وهذا رد إلى اليسر. (وذاك الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس، وألا يتكلم، وأن يحج ماشياً، ولا يستظل، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم والناس حوله قال: ما هذا؟ قالوا: رجل نذر كذا وكذا.. قال: مروه فليستظل، وليركب، فإن الله غني عن تعذيب هذا نفسه).

صورة من صور حماسة النفس أراد بها هذا الرجل أن يجعلها وسيلة للتقرب إلى الله، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورده إلى الأصل والحد المشروع الذي سيمته اليسر، وهذا أمر بين.

وحتى في علاج الأخطاء كان كذلك عليه الصلاة والسلام كما روى ابن مسعود فيما صح عند البخاري : (أن رجلاً أصاب قبلة من امرأة، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فقال الرجل: أهذا لي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل لمن عمل بها من أمتي)، ولا يفهمن أحد من ذلك أنه ترخيص في ارتكاب الإثم أو دعوة إليه، أو تهوين له في نفوس الناس، ولكنه إدراك لطبيعة الإنسان، وما قد يقع منه أثناء غفلته أو شهوته، وأصل إيمانه داع له للندم والاعتراف، فتفتح له ما فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب المغفرة والرحمة، وإن كان أمراً مما يؤاخذ عليه الشرع بحد أو نحو ذلك أخذ به.

ولكنه مع ذلك أصل إيمانه في قلبه يدل على صدقه، وإخلاصه في توبته إلى الله سبحانه وتعالى، ولما جاء رجل من الناس قد شرب الخمر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الحد عليه؛ لأنه قد ارتكب كبيرته، وأقيم الحد عليه، قال الراوي: ومنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، ثم قال رجل: أخزاه الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تعينوا عليه الشيطان).
 السماحة     

السمة الثالثة: السماحة، وهي نوع وأمر يدل على ذلك اليسر، لكنه يظهر في أصول الأمر والتشريعات، كما قال الله سبحانه وتعالى في شأن الأمر الأعظم في حياة الأمة ودورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، سماحة في عرض هذا الدين، وفي الدعوة إليه، وفي البيان له، حتى تقتنع به العقول، وتقبل عليه القلوب، وتتعلق به النفوس، وتلتزمه الجوارح، وتتحرك به لإعلانه ونشره والدعوة إليه.

والله سبحانه وتعالى يبين ذلك في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، أطغى وأكفر من ذكر الله عز وجل من أولئك الذين خرجوا عن أمر الله سبحانه وتعالى، جاء الأمر إلى موسى وهارون عليهما السلام: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44]، وليس ذلك اللين عن ضعف أو خوف أو جبن، وليس ذلك اللين مداهنة أو مجاملة أو منافقة، إنما هو القول الجميل، والدعوة إلى الله تعالى بآياته، والتنبيه على حججه كما ذكر ابن كثير في التفسير، إنه أسلوب عرض فيه سماحة، وفيه لين في الأداء ليس في المضمون، وليس اللين أن نغير أحكام الله، ولا أن نبدل دين الله، ولا أن نقول: إن الجهاد قد ألغي أو عطل، ولا أن نقول بأن تعليم شرع الله عز وجل انحراف يؤدي إلى خطر، فإن ذلك ليس ليناً بل هو تحريف وانحراف، كما أن ذلك في جانب فهذا في جانب آخر.

وهذه السماحة عظيمة في كل شرائع الإسلام، حتى الشرائع التي ظاهرها عند بعض من يجهل ويهوى أنها تتناقض مع السماحة، وهي شريعة وفريضة الجهاد القائمة الماضية إلى قيام الساعة.

إنها ليست من القسوة في شيء، إنها ليست دموية ولا إرهابية، إنها سماحة للبشرية، ورحمة للإنسانية، شريعة الجهاد رحمة بالبشر؛ ليخرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل، ومن الطبقية والعنصرية إلى المساواة والأخوة الإنسانية والرابطة الإيمانية.

والله سبحانه وتعالى يذكر لنا ذلك، وتبينه شرائع الإسلام، لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] إما أن يسلموا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإما أن يذعنوا لحكم الإسلام ويبقوا على ما هم عليه، ويخضعوا لتشريعات سلطان الإسلام، ويدفعوا الجزية إليه في مقابل ما يلقونه من الخدمة والنصرة، وإما أن يأبوا فمن يأبى النور.. ومن يأبى الحق.. ومن يتسلط على رقاب الناس يأتي الإسلام ليحرر الناس التحرير الحقيقي لا المزيف الكاذب، ولينصر النصر الحقيقي لا الكاذب، وذلك أمره بين، والله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، وبينته وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في القتال: (لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً)، ووصية أبي بكر الشهيرة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه، حتى الشجر والنخل نهى عن عقره وحرقه إن لم يكن له داع وسبب، فليس الجهاد في إزهاق النفوس بلا سبب ولا مصلحة راجحة، ولا موجب لذلك من أولئك الكفرة الفجرة المعادين لأهل الحق والإسلام، بل والمعادين للبشرية والإنسانية.

ونرى ذلك كذلك في أمور أخرى كثيرة، كقوله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8].

وإذا كان ثمة عهد فالآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وقال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ [التوبة:4].

ذلك كله لابد أن نفقهه في إطار جامع واسع، وتلك هي سماحة الإسلام في سمة واضحة من سماته، وصفة جلية من صفاته.

نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يفقهنا في إسلامنا، وأن يلزمنا شرع نبينا، وأن يلزمنا هديه صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 الاستقامة     

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون!

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واعلموا أن من سمات أصل هذا الدين الاستقامة، وهي ملازمة النهج الصحيح الذي ثبت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد أمر المصطفى عليه الصلاة والسلام أمراً واضحاً بالوسطية والسماحة واليسر بعيداً عن تلك الأطراف الذميمة من الإفراط والتفريط أو الغلو والتشديد.

كما في قوله جل وعلا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، أي: لا تزيدوا عن الحد، ولا تتجاوزوه حتى في معاملة الأعداء، فإن ذلك من سمة أهل الإسلام: العدل والإنصاف والاستقامة، كما قال جل وعلا: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى:15]، فليس هناك ثمة طغيان، وليس ثمة تفريط وترك واتباع للأهواء موافقة للأعداء، كما قال عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير دينكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، رواه ابن ماجة بسند صحيح، أي: لن تستطيعوا البلوغ إلى الكمال، فاستقيموا كما جاء في الحديث الآخر تفسيره: (سددوا وقاربوا)، أي: اجتهدوا، ليس المقصود باليسر ولا بالسماحة الأخذ بالأدنى، بل قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل في الأخذ بالأعلى من الأمر المشروع والعبادة العظيمة، مع ما كان له من خصائص لم يشاركه فيها غيره من الصحابة، ونبههم على ذلك أنه ليس كمثلهم، وأمرهم ألا يفعلوا مثل فعله فيما هو من خصائصه عليه الصلاة والسلام، كما في قصة النفر الثلاثة الذين رأوا أن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم قليلة وقالوا: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبين سوء فهمهم، وقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، عندما قال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج، وقال الثالث: أما أنا فأصوم ولا أفطر، فقال عليه الصلاة والسلام: أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فبين عليه الصلاة والسلام الاستقامة في سائر أحواله وأعماله صلى الله عليه وسلم.

ولعلنا في وقفتنا الأخيرة نشير إلى أصل المعنى الذي يقع في أهل الغلو خروجاً عن هذه السمات من وسطية ويسر وسماحة واستقامة هي من صميم هذا الدين، وهي الحد المشروع الذي يعد الغلو خروجاً عنه، روى الشيخان في صحيحيهما صفة جامعة من جوامع كلم المصطفى صلى الله عليه وسلم في وصف أهل الغلو، عندما جاءت القسمة المشهورة، وجاء الاعتراض من ذلك الرجل على روايات مختلفة (عندما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! وفي رواية: لم تعدل! فقال عليه الصلاة والسلام: من يعدل إن لم أعدل؟! ثم وصف ذلك الرجل فقال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان).

ومن هنا قال أهل العلم: إن السمة الجامعة لكثير من فروع الغلو ترجع إلى هذين الأمرين: الجهل بالقرآن والشرع كما قال في هذا الحديث: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، قال الشاطبي في معناه: يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.

وقال النووي رحمه الله: ليس يصل إلى قلوبهم أي: القرآن؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره، وهذا لا يحصل منهم، والجهل هو الباب الأعظم والأكبر للدخول إلى هذه المزالق الخطيرة، ويترتب عليه ما يترتب عليه، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما في مثل هذا المعنى: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين) لم يفقهوا أسباب النزول، ولم يفقهوا مقاصد الألفاظ ودلالاتها ومعانيها، ولم يفهموا بقية النصوص الشرعية التي تكمل بها الصورة، وينتقل حينئذ الأمر إلى السمة الثانية وهي التكفير للمسلمين، وبالتالي استحلال دمائهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)، وذلك ما سنشرع في الحديث عنه، في الجمعة المقبلة إن شاء الله.

نسأل الله عز وجل أن يجنبنا الغلو غير المشروع، وأن يجنبا التفريط في الأخذ بأمر الله سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا من أمة الإسلام الوسط الآخذة بأمره سبحانه وتعالى، والآخذة بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين.

اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم إنا نسألك لقلوبنا السلامة والعافية، ولأبنائنا الصحة والقوة، ولمقاصدنا الإخلاص وإرادة وجهك الكريم يا رب العالمين!
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، وانشر الأمن في البلاد برحمتك يا أرحم الراحمين!

اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة ما يعلي رايتها، وما يعز دينها، وما يوحد صفها، وما يقوي شوكتها، وما يسدد رميتها، وما ينصرها على عدوها يا رب العالمين!

اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، واجعلنا من الذين تتوفاهم على حقيقة الإسلام يا رب العالمين! نسألك اللهم أن تجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) يا أكرم الأكرمين! يا أرحم الراحمين!

عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].