(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة

د. عماد الدين خيتي

التأصيل الشرعي:

إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو الأصول الشّرعية التي يُعرف بها الحقُّ، وليس لها مستند شرعي مِن نصوص القرآن أو السنّة، ولم يجعلها أهلُ العلم مقياسًا لمعرفة الحقِّ مِن الباطل، بل ذلك مِن البدع المُحدثة التي تخالف نصوصَ الشّرع، وقواعد الاستدلال. إذ إنَّ معرفةَ الحقِّ مِن الباطل، والإصابةَ في الفتوى ليست منوطةٌ بالجهاد أو العبادة، وإنّما بالاستدلال وطرائقه، وقد بيّن أهلُ العلم شروطَ المفتي مستمَدّةً مِن الأدلة المعتبرة ولم يذكروا مِن شروط المفتي أنْ يكون مقاتلاً أو مجاهدًا، أو مقيماً بمناطق الثّغور، بل إنَّ العالمَ يُؤخذ بقوله أيًا كان موقعُه، والجاهل يُترك قولُه أيا كان مكانُه وعمله. والكثيرُ مِن الأئمّةِ وأهلِ العلم لم يكونوا مِن أهل الغزو، كالأئمّة الأربعة، إلا أنَّ ما كتبوه وأفتوا به في باب الجهاد كان وما يزال عمدةً في الفقه الإسلامي، ومرجعًا للعلماء في كلِّ العصور.

وإنّما يجب على الفقيه أنْ يعرف حقيقةَ ما يفتي به معرفةً حقيقيةً تُمكّنه مِن تصوّر المسألة تصورًا صحيحًا، يُبنى عليه الحكمُ الشّرعي. قال ابنُ القيّم رحمه الله: (ولا يتمكّن المفتي، ولا الحاكمُ مِن الفتوى والحكمِ بالحقِّ إلا بنوعين مِن الفهم:

أحدهما: فَهْمُ الواقع والفقهُ فيه، واستنباطُ علمِ حقيقةِ ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علماً.

والنّوع الثّاني: فهمُ الواجب في الواقع، وهو فهمُ حُكمِ الله الذي حكَم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبّق أحدَهما على الآخر . )

ومهما بلغ المجاهدُ في سبيل الله -تعالى- مِن الأجرِ والفضلِ فإنَّ للعالم العامل بعلمه فضلاً يفوق ذلك؛ فالجهادُ نوعٌ مِن العبادة، وفضلُ العالم على العابد كبيرٌ.

أفضل الأعمال الجهاد!

وما جاء في الأحاديث أنَّ أفضل الأعمالِ الجهادُ، كحديث : (قيل: يا رسولَ الله أيُّ النّاسِ أفضلُ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفْسِه وماله ) فلا تعني الأفضليةَ على الإطلاق، وقد بيَّن أهلُ العلم المرادَ بذلك قال العيني رحمه الله: (قالوا: هذا عامٌ مخصوصٌ، تقديرُه: هذا مِن أفضل الناس؛ وإلا فالعلماءُ أفضل، وكذا الصّدّيقون كما جاءت به الأحاديث .(فَكونُ الشخصِ أفضلَ في دِينه وتعبُّده لا يعني استقلالَهُ بالفتوى وأنَّه أحق بها؛ فَمناط الفتوى بالعِلم وليسَ الأفضلية بل إنّ ما يقوم به أهلُ العلمِ مِن توضيح معالم الدّين، وبيان الأحكام الشرعية، وردّ ما يخالفُ الشّيعةَ يُعَدُّ مِن أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى.

بين القاعد والمجاهد

أمّا قوله تعالى:  “لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّررِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الَّلِه  بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهمْ فَضَّلَ الَّلهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهمْ عَلى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ الَّلُه الْحُسْنَ وَفَضَّلَ الَّلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا” النساء: ٩٥، فلا يدلُّ على ما فهمه الغلاةُ مِن أنَّه تفضيلٌ مطلقٌ للمجاهدين على غيرهم، بمَن فيهم أهلُ العلم، وليس في الآية تفضيلٌ للمقاتلين على غيرهم بإطلاق؛ إذ إنَّ هذه الآية مسوقةٌ لبيان فضلِ مَن جاهد في سبيل الله تعالى بماله ونَفْسه على القاعد عن الجهادِ، وليس لبيان فضل المجاهدين على أهل العلم.

قال البيضاوي رحمه الله: ( أي لا مساواةَ بينهم وبين مَن قعد عن الجهاد مِن غير عِلّةٍ، وفائدتُه تذكير ما بينهما مِن التفاوتِ؛ ليرغب القاعدُ في الجهاد رفعًا لرتبته، وأنَفَةً عن انحطاط منزلته )

فإذا كان تَركُ القتال مِن أجل الاشتغال بالعلم، وتعليم الناس، وإفتاء المجاهدين، ونصرتهم باللّسان: فإنَّ ذلك مِن الجهاد، بل قد يكون أفضلَ مِن عمل كثيرٍ من المجاهدين المقاتلين، كما يشمل ذلك الفضل كل من كان له عملٌ في دعم الجهاد، أو كان في حاجة المجاهدين، أو خَلَفهم في أهلهم بخيرٍ مِن الإغاثيين، والأطباء، والإعلاميين، ونحوهم، ومَن شارك في الجهاد بأيِّ نوعٍ من أنواعِه فليس مِن المضيّعين المفرّطين، فكيف إذا كان يشارك بعلمه وتوجيهه وفتاواه للمجاهدين؟!.

معنى التفضيل في العبادات:

بل إنَّ كثيرًا من العبادات جاء ذكرها في الشرع بألفاظ التفضيل مثل (أفضل)، فهل يعني ذلك أنَّ مَن تمسك بعبادة منها أنَّه جديرٌ بالحق، بسبب هذا التفضيل؟

قال ابنُ دقيق العيد رحمه الله: (وقد اختلفت الأحاديث في فضائلِ الأعمال، وتقديمِ بعضها على بعض، والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثلِ حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي تُرشد القرائن إلى أنَّها المراد…

ولو خُوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهّل للنفع الأكبر في القتال لقيل له (الجهاد)، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحّض حاله لصلاحية التبتّل لذكر الله تعالى، وكان غنيًا يُنتفع بصدقة ماله لقيل له  (الصدقة )، وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفًا في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به  فليس الجهاد هو العبادة الوحيدة الذي جاء تخصيصه بفضل، مما يدل على أنَّ هذا التفضيل ليس بإطلاق )

وعلى فرضِ علم المجاهدين بالواقع فإنَّه لا يعني معرفتَهم بالحكم، أو أحقّيتَهم بالفتوى؛ إذ الحكمُ الشّرعي يؤخذ مِن كتاب الله وسنّة رسوله  صلى الله عليه وسلم، والعارفُ بهما هو العالم. قال تعالى: “فَإِنْ تَنَازَعْتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْم الْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ” النساء: 59، فمسائلُ الشّرع لا يُقدَّم فيها قولُ المجاهد على العالم، ولا يُعتبر قولُ المجاهد إلا أن يكون مِن أهلِ العلم والفتوى، كما لا يُقدَّم قولُ عالمٍ في الثّغور على عالمٍ غيرِ مقاتلٍ في مسائل الشّرع والتّأصيل؛ لمجرِّد مكان وجوده أو لقتاله، وإنّما يُقدّمُ لرجحان قوله وفتواه، وقوّةِ دليلِه كما قرّره أهلُ العلم، فكيف إذا كان ما يَعرِض للمجاهدين مِن القضايا والنّوازل الخطيرة: كأحكام الأسرى، والغنائم، والمعاهدات، وغيرها مما يحتاج إلى رسوخٍ في العلمِ، ومعرفةٍ تامّةٍ بمسائل الحلال والحرام؟!. كما أنّ صفوفَ المجاهدين لا تخلو مِن وجود جهلةٍ، أو عصاةٍ، أو مَن يقاتل شجاعةً أو حميةً، وربما مَن ليس مِن المجاهدين أصلاً! وجميعُ أولئك ليسوا مِن أهل الفتوى ولا القضاء، مهما علت مراتبُهم، أو تطاولت في ساحات المعارك إقامتُهم، أفتُقدّمُ أقوالُهم على أهل العلم والفتوى إذا لم يُقاتِلوا؟!. أمّا في مجال العمل العسكري، والتخطيط الميداني للمعارك، وتدريب الجند، وتوزيعهم على الكتائب، وتقسيم الجيوش، وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك مما هو مِن طبيعة الجهاد والقيادة، فيعود تقديرُه إلى أصحاب الخبرةٍ فيه، وهذا لا ينازعهم فيه العلماءُ.

والخلاصة:

أنَّه يجب الرّجوعُ لأقوالِ الثّقات الأثبات مِن أهل العلم، وأخذ الفتوى عنهم، سواء كانوا ممّن حمل السّلاحَ أم لا؛ فالعبرةُ بصحّة الاستدلال ممّن هو أهلٌ لذلك، أمّا حملُ السلاح فلا أثرَ له في صحّة الفتوى، واعتبار العلم.