مقدمات في الفقه السياسي

عباس أبو تيم شريفة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين، وبعد : يشكّل الفقه السياسي في الشريعة الإسلامية المرتقى الأصعبَ والمقامَ الضنكَ لما يعالجه من قضايا حساسة تتناول عموم المسلمين، ولما يكثر فيه من مزلة الأقدام ومضلّة الأفهام بين مَن يلوي أعناق النصوص لتحصيل مصلحة متوهمة، وبين مَن يحجر فَهْم النصوص فيفوت مصلحة متحققة، وهو محل الإشكال الساخن في طول تاريخنا التشريعي على الإطلاق، فكان حقًّا كما وصفه ابن القيم -رحمه الله تعالى- مقامًا ضنكًا ومعتركًا صعبًا؛ ولأن قضية السياسة والإمامة كانت محور الصراع في تاريخنا الإسلامي كان الفقه السياسي محمومًا بفقه النكبة، ومكبوحًا بكوابح حديث الفتنة، فقد ضرب كثير من الفقهاء عنه الذِّكْرَ صَفْحًا، وتماروا فيه مِراءً ظاهرًا، فلم تقترب منه دعوات التجديد خوفًا من مزالق الفتنة، وعاش الفقهاء في حالة تسوية غير معلنة مع حكام الملك العضوض، حيث قام الحكام برعاية مظاهر الشريعة، وتجاوز الفقهاء عن الانحراف السياسي الذي أصاب حضارتنا حرصًا منهم، وإيثارًا لوحدة الأمة السياسية، فكانت النتيجة هي تفكُّك وحدة المسلمين وعدم تصحيح ما وقع من انحراف في النظام السياسي المُؤَوَّل، فلا هم حافظوا على وحدة المسلمين، ولا قاوموا الانحرافَ عن الشرعية السياسية الذي وصل بهم إلى المُلك الجبري, لذلك لم ينطلق الاجتهاد في الفقه السياسي من أصول الاجتهاد الطبيعية للفقه الإسلامي في الاستمداد من الكتاب والسنّة، وإنما استمد تأصيله من قواعد الفقه الاستثنائي في فقه الموازنات والضروريات ودرء المفاسد.

في هذا البحث نحاول أن نتجاوز عُقْدةَ المِحْنة والفتنة التي أضفت على الفقه السياسي حالة من الانهزامية والانزواء في مواجهة الاستبداد وتعطيل الشورى وتجويز بيعة المكره وخلط الكثير من المفاهيم كالخلط بين التاريخ الإسلامي، وبين تاريخ التشريع والتشريع، وبين أحكام الإمامة وأحكام التبليغ والإسلام، وبين الشرع المُنَزَّل والشرع المُؤَوَّل، وبين فقه الاستضعاف وفقه التمكين، وبين صحة الدليل وصحة الاستدلال.

هنا يقع كثير من القصور على دور الجماعات الإسلامية السلبي الذي كثيرًا ما ينحصر في تعزيز الفقه السياسي الاستثنائي بذريعة الحفاظ على جماعة المسلمين ووحدتهم بزعمهم، والذي يسهل وصولها لسلطة القهر وممارسة حق الوصاية على الأمة بدون اعتبار لرأي الأمة، والأصل أن تنهض إلى تبصير الأمة بالفقه السياسي المُنزَّل لتكون هي مصدر السلطة، وتنبهها إلى حقوقها السياسية المسلوبة وإعدادها لتعود إلى ممارستها دَوْرَها بفاعلية، وتقطع ذرائع الاستبداد والتغلب والإكراه، ولتأخذ هذه الجماعات سلطتها من توكيل الأمة لها بعقد حر وليس بممارسة دور الوصاية على أمة يراد لها أن تراوح في سن القصور وإعاقة بلوغها سنَّ الرشد لتنعتق من ربقة الوصي إلى السيادة.

في هذه الوريقات نحاول فكّ الاشتباه وفضّ الاشتباك بين ما التبس من مفاهيم سياسية شابها الكثير من النسبية، والتأصيل لمقدمات ضرورية في الفقه السياسي تبدد حالة اليأس التي تجتهد في تشريع المعاملة مع الواقع أكثر مما تشتغل في تغيير الواقع.

مقدمات في الفقه السياسي

المقدمة الأولى: النظام الاجتماعي و السياسي تأثير مُتبادَل

كثيرًا ما يتم تجاوز القواعد الشرعية في النظام السياسي إلى قواعد شرعية استثنائية والعمل بالفقه السياسي الاستثنائي في مراحل الانتقال الحضاري سببه صلابة القواعد الاجتماعية المعيقة لتقبل المشروع جملة، و التي تذعن للأعراف والتقاليد أكثر من إذعانها للدين، والدخول في الصدام معها قد يفضي لنتائج غير محسوبة، لذلك كان لا بد لكل نقلة سياسية من نقلة اجتماعية تسبقها وتمهد لها الطريق؛ لتتمكن من ثقافة الجماهير قبل أن تتمكن من إخضاعهم وحكمهم بالقوة، فالإنسان مفطور على مقاومة كل ما يُفرَض عليه بالإكراه -ولو كان حقًّا- وعلى قبول كل ما يُدعَى له مختارًا طائعًا.

ولا بد في تحقيق هذه النقلة من وسائل التأثير الناعمة من الدعوة والتربية وتهيئة الرأي العامّ والمزاج الجماهيري لتجنب أي مقاومة أو ممانعة.

وريثما تتم هذه النقلة لا مانع من التعامل مع بعض النظم الاجتماعية المخالِفة للشريعة بقواعد فقه الاستضعاف ونقص التمكين، ولا يلزم من التعامل الشرعي مع الواقع المخالف للشريعة تشريع هذا الواقع بحال من الأحوال.

لذلك لم يُقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- على إعادة بناء الكعبة المشرفة على القواعد الصحيحة بسبب المقاومة الاجتماعية للتغيير وعدم التهيؤ لتقبُّله، فعن عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : «لَوْلَا أنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ -أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ، وَفِي أُخْرَى قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ ثُمَّ بَنَيْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلَتْ لَهُ خَلْفًا»  (رواه البخاري 1/ 198-199 في العلم، باب مَن ترك بعضَ الاختيار مخافةَ أن يقصر  فَهْم الناس فيقعوا في أشد منه).

و مما يُذكر في هذا الشأن «أن عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز قال لأبيه: يا أبتِ ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك .فقال له عمر: لا تعجل يا بُنَيّ، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جُملًة، فيدفعوه جُملةً، ويكون من ذا فتنة» [الموافقات للشاطبي 2/93-94].

يقول الشاطبي -رحمه الله  معلقًا على ذلك: «وهذا معنى صحيح معتبر في الاستقراء العادي، فكان ما كان أجرى بالمصلحة وأجرى على جهة التأنيس، وكان أكثرها على أسباب واقعة، فكانت أوقع في النفوس حين صارت تنـزل بحسب الوقائع، وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنـزل حكمًا حكمًا وجزئية جزئية؛ لأنها إذا نـزلت كذلك لم ينـزل حكم إلا والذي قبله صار عادة، واستأنست، به نفس المكلف ...فإذا نـزل الثاني كانت النفس أقرب للانقياد» [ الموافقات للشاطبي2/93-94].

حتى تخصيص الإمامة العظمى في قريش ليس حكمًا تعبديًّا، وإنما هو معلل بعلة اجتماعية كما بيَّن ابن خلدون؛ إذ إن العرب لم تكن لتخضع سياسيًّا لحي من أحياء العرب إلا لقريش . وهذا الأمر هو ما حسم النقاش السياسي بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة. حتى إننا نرى أن بني العباس لم يعلنوا ثورتهم على بني أمية ويقيموا سلطانهم السياسي إلا بعد دراسة متأنية للظروف الاجتماعية لكل الأمصار الإسلامية، فقد جاء في كتاب محمد بن علي يصف فيه الأحوال السياسية للأمصار ما نصه: أما الكوفة وسوادها فشِيعَة عَلِيّ وولده، وأما البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكفّ: تقول: كُنْ عبداللّه المقتول ولا تكن عبداللّه القاتل، وأما الجزيرة فحرورية مارقة. وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة ابن مروان، وعداوةً راسخة وجهلًا متراكمًا، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان، فإن هناك العدد الكثير والجَلَد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، لم تتقسمها الأهواء ولم يتوزعها الدَّغَل، وهم جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل وهامات، ولِحًى وشوارب، وأصوات هائلة، ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة ...وبعد، فإني أتفاءل إلى المشرق، وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق. [عصر المأمون، لأحمد فريد رفاعي :ص 83].

لذلك يقول من يفسر التاريخ: إن انتقال الأمة من حقبة الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض لم يكن انتقالًا سياسيًّا، وإنما هو انتقال اجتماعي طرأ على أخلاق المجتمع الذي لم يعد يتقبل الحكم الراشدي بعد انفتاحه الحضاري وميله إلى حياة التمدن والدعة ولا يزال الخلاف بين علماء الاجتماع السياسي، هل القاعدة (كما تكونون يُولَّى عليكم، أم كما يُولَّى عليكم تكونون) والحقيقة أن التأثير متبادل فالسلطة السياسية لا تزال تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الثقافة المجتمعية خصوصًا في الأنظمة الشمولية وكذلك المجتمعات المحافظة تلعب دورًا كبيرًا في إفراز شكل السلطة السياسية .

وهذا ما فطن له عبد الملك بن مروان عندما قال: (أَنْصِفُونا يا معشر الرعية . تريدون منا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر) . [عيون الأخبار لابن قتيبة 1/9].

قال ابن الفضل: ما كنت أعلم أن طباع الرعية تجري على عادة ملوكها حتى رأيت الناسَ في أيام الوليد بن عبد الملك ، وقد اشتغلوا بزراعة الكروم والبساتين، واهتموا ببناء الدور وعمارة القصور، فقد كان الرجل يلقى الرجلَ فيسأله : كم دارًا عندك؟ وكم غرفةً بنيت؟!، ورأيتهم في زمن سليمان بن عبد الملك قد اهتمّوا بكثرة الأكل وطيب الطعام حتى كان الرجل يسأل صاحبه: أي لون اصطنعت، وما الذي أكلت؟ ورأيتهم في أيام عمر بن عبد العزيز قد اشتغلوا بالعبادة، وتفرغوا لتلاوة القرآن، وأعمال الأخريات، وإعطاء الصدقات، فصار الرجل يلقى الرجل فيسأله: كم صليت البارحة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ وكم وِرْدك؟!! ، فعلمت أن في كل زمان تقتدي الرعية بالسلطان، يعملون بأعماله، ويقتدون بأفعاله، من القبيح والجميل. (أبو حامد الغزالي الترب المسبوك في نصيحة الملوك، دار الفكر، ص8  م1996).

- لكن هذا لا يمنع أن ترعى السلطة مشروع الإصلاح الاجتماعي كما حصل في كثير من حقب التاريخ.

ويبقى الخلاف بين فريقين من المصلحين السياسيين، بين فريق يرى الدخول في منظومة الحكم أو مهادنة هذه السلطة وتحييدها وتجنب المواجهة معها إلى حين إنجاز  إصلاح اجتماعي من خلالها أو من خلال تحييدها على الأقل كما كان يطالب (محمد عبده) بالمستبد العادل كخيار مرحلي لتجاوز مرحلة الإصلاح الديني التي تحتاجها الأمة، ولم يكن خيارًا أبديًّا، ولكن في كثير من الأحيان نواجه سلطة متوغلة يستحيل أن تسمح بأي مشروع إصلاحي ممكن أن يأتي على سلطتها من القواعد بالإسقاط.

فالإفساد الاجتماعي اليوم والتحلل الأخلاقي هو من أهم وسائل الاستبداد السياسي في ضرب أطناب سيطرته على المجتمع الذي يحرص على إضعاف بنيته الأخلاقية والاجتماعية لتسهل قيادته، فمن المعلوم أنه كلما ضعف المجتمع توغلت السلطة وبالعكس.

وفريق يرى عدم الدخول في منظومة الحكم بل يرى المفاصلة معها تمامًا؛ لأن الدخول في أي عملية تشارك سياسي مع أنظمة الاستبداد بناء على قواعده ستخرج نتيجة تصبّ في مصلحته ولا تؤثر عليه، ويتجه هذا الفريق إلى العمل الإصلاحي حتى يتأهل المجتمع لقبول الشريعة بكلها.

خلاصة الفكرة أننا أمام معضلة سياسية اجتماعية مزدوجة:

- فلا يمكن بناء عقد سياسي يتناقض في مضمونه وشكله مع قواعد العقد الاجتماعي الراسخة والملزمة بالعرف حتى ولو كان العقد شرعيًّا.

- كذلك لا يمكن أن تقوم بعملية الإصلاح الاجتماعي في ظل الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي تعتاش على هذا الفساد وتحرص على إمداده بأسباب البقاء وتعمل على إجهاض كل مشروع إصلاحي، ولو كان لا يهددها بشكل مباشر، ولكنه في مآلاته قد يهيئ لسقوط منظومتها ويبني قاعدة اجتماعية ترفض القبول ببقائه.

في هذا المأزق والاستعصاء وتحت هذا الضغط والقمع الذي تمارسه السلطة وما يقابله من ممانعة القوى المطالبة بالإصلاح ومدافعة القيادات الاجتماعية قد تنفجر شرارة الثورة لننتقل من التغيير الناعم السلمي إلى التغيير بالمقاومة المسلحة، وهذه النقلة هي أخطر ما تمر به سيرورة الإصلاح الاجتماعي، فالثورات لا يمكن أن تكون بيئة مناسبة لعملية الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ولكنها قد تكون فرصة كبيرة لنسف كل المعوقات المادية التي تحول بيننا وبين عملية الإصلاح وتخلي بيننا وبين الناس، ومنه يمكننا أن نصل إلى عقد سياسي شرعي متعمق ومتجذر في ثقافة المجتمع والمستمد من حاكمية الشريعة، إلا إذا كنا نسعى لحكم جبري إسلامي، ونروج للتغلب السياسي الذي من الممكن أن يحسم الصراع على شكل الحكم والنظام السياسي، ولكنه يبقى بعيدًا عن الحكم الراشد، ويبقى يحمل بذور السقوط والوهن لغياب التثقيل الاجتماعي الداعم له.

مقدمات في الفقه السياسي:

المقدمة الثانية: بين التاريخ السياسي والفقه السياسي الإسلامي

يميل الكثيرون من المتكلمين في شأن السياسة الشرعية إلى إلحاق ما يستجد من نوازل سياسية على ما حصل في التاريخ السياسي بنفس الحكم بدون تنقيح أو تحقيق للمناط والعلة، وهذا خلل كبير يقع به من ينظر إلى موضوع التاريخ السياسي الإسلامي ويخلط بين ما جاء به الوحي وبين ما حدث في التاريخ فيخرج بمرجعية .. مختلطة واعتباره مصدرًا تشريعيًّا للفقه السياسي الإسلامي، والأمر محل نظر.

فالمعروف أن مصادر التشريع الأصلية في الإسلام هي القرآن الكريم وبيانه السنّة النبوية، وهما الحاكمان على فعل البشر بالخطأ أو الصواب، وأن ما وقع في التاريخ السياسي الإسلامي لا يخرج عن اجتهادات بشرية في تنزيل القيم السياسية على الواقع أو في تحويل القيم إلى فعل قد تخطئ وقد تصيب، وقد يعتري المجتهد من موانع التنزيل الكامل للأحكام ما يعتريه من الاستضعاف وغياب التمكين والأولويات فيدفعه للاجتهاد بطريقة لا نستطيع تقدير ظروفها وسياقها، و هذا مثله كأي اجتهاد بشري فكري يقدر المصلحة السياسية.

ولعل ما يحمل البعض على الاستقاء من كل ما جاء في التراث والذوبان في التاريخ والإغراق في الموضوية هي ردة الفعل على دعوات الحداثة التي تدعو إلى النظرة العدمية للتاريخ، ونبذ كل ما هو من التراث حتى الثوابت من شريعتنا.

وكلا الاتجاهين إفراط وتفريط، فليس كل ما في تاريخنا وتراثنا يجب علينا أن نحرقه وأن ننسفه في اليمّ ونرميه وراءنا ظهريًّا.

وليس كل ما جاء من أحداث التاريخ السياسي هو دين يجب أن ندين الله تعالى به ونتبعه على غير بصيرة.

فاعتبار التاريخ الإسلامي هو الدين وهو مصدر للتشريع والأحكام السياسية، واستصحاب الصورة النمطية للحكم في تاريخنا مجانب للصواب، و فيه الكثير من المجازفة، فما حصل في تاريخنا السياسي من تغلب سياسي وقتال فتنة ومصادرة لرأي الأمة وتعطيل للشورى لا يمكن أن يكون من ديننا وشريعتنا، فليس أحد من الخلفاء الذين فعلوا ذلك حجة على الإسلام بل الإسلام حجة على الجميع، وإن ما حدا بالفقهاء لتجويز ولاية المتغلب وبيعة الإكراه كان من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد، وارتكاب أخف الضررين، ودفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، ولعلهم وقعوا هنا في النظرة الجزئية التي ترى مفاسد الخروج على أئمة الجور، ولا يرون مفاسد السكوت عن هذه الانحرافات السياسية التي انسحبت على جوانب كثيرة من حضارتنا، لكن بكل الأحوال هذا لا يجعل من اجتهادهم المحفوف بالظرف التاريخي الخاص حكمًا أصليًّا في شريعتنا.

 لا شك أن التاريخ الذي هو وعاء الحياة السياسية الإسلامية العملية هو محل العبرة والعظة والدرس، وفيه من السلبيات والإصابات التي كان فيها عدول عن القيم ما يجب تجنبه، وفيه من الإنجازات العظيمة المستقيمة مع القيم ما يجب الاهتداء والاعتزاز به.

وإن دروس التاريخ يمكن استصحابها لتفسير الكثير من السلوك السياسي لدى المهووسين بعقد التاريخ والتنبؤ بما يحملون من أحلام وطموحات سياسية قد لا يصرحون بها.

لكن تبقى القيم السياسية الإسلامية من (العدل والشورى وأداء الأمانات لأهلها) هي الضابط، وهي الحكم الثابت أمام متغيرات التطبيق التاريخي لهذه القيم على تصرفات البشر ومسالكهم . . وحبنا للتاريخ الإسلامي، وانتصارنا له لا يجوز أن يجعلنا نتجاوز هذه الحقيقة.

وكم ستكون الخطورة كبيرة إذا لم نضبط التاريخ ونحكم عليه بالقيم أكثر من التفسيرات والإسقاطات التاريخية التي يحاول أعداء الإسلام توظيف التاريخ لها اليوم، بحصر خياراتنا ضِمْن نطاق محدد، وكم ستكون الخطورة أكبر إذا أصبح التاريخ دِينًا وتفسيره ملزمًا كالنص الإلهي.

وقد يكون الدافع لذلك كله غياب روح النقد، والخوف من الاعتراف بالخطأ، الذي ما يزال يشكل المناخ العقلي المغشوش لكثير منا، ذلك أن هذا المناخ هو السبب وراء سقوطنا في الفخاخ، فليس كل تاريخنا نهاوند والقادسية وحطين وعين جالوت، وليس كل تاريخنا هو كتاب الأغاني للأصفهاني، بل هو خط متعرج ينحدر تارة ويرتقي تارة أخرى.

وهذا يحتم علينا أن نعيد قراءة التاريخ من جديد بعيدًا عن عقدة التبرير للذّات ضمن فلسفة الإمكان التاريخي أو عقدة جلد وتحطيم الذات.

فالشيعة والسنّة اليوم كلاهما لا ينصفون تاريخ الصحابة السياسي رضي الله عنهم، الشيعة يسيئون قراءة التاريخ السياسي للصحابة بغية إسقاطهم والطعن بهم، والسنّة يرفضون قراءة التاريخ السياسي للصحابة تجنبًا للخوض في حديث الفتنة وسدًّا للذريعة أمام تطاوُل الألسن في عِرض صحابة رسول الله.

مع أن الخلافات السياسية بين صحابة رسول الله هي مادة دسمة لتغذية الاجتهاد السياسي لدينا ونحن نقف على هذه المادة الثرية من مواقفهم السياسية موقف التدبر والنظر للإفادة منها، وليس لإسدال الحُجب عليها.

فتقع الجهالة فيه والتي ما ينبغي أن تقع فقد فصّل كثير من المؤرخين الفضلاء في التاريخ السياسي للصحابة كابن كثير والطبري والذهبي وابن تيمية وابن خلدون وابن حجر، وغيرهم كثير، ضمن قواعد منطقية فدونوا التاريخ كما كان،

لا كما يجب أن يكون،

ولا كما نحب أن يكون،

ولم يجعلوا من الخطأ مسقطًا للأفضلية، ولم يجعلوا من الأفضلية مُوجِبةً للعصمة، ولم يضفوا على اجتهادات الصحابة البشرية مسحة القداسة. ولم يخلطوا بين المبادئ والأشخاص فأنصفوا بذكر الخطأ المغفور والاجتهاد المشكور.

 فكل إنسان يحمل صورة ذهنية يسترشد بها في حياته مركبة من ثلاثة أشياء:

1-                       مثل أعلى في صورة مبادئ مجردة يرنو إلى الالتزام بها (كالحرية والعدل والأمانة والشورى).

2-                       ومثال في صورة أشخاص وقدوات اقتربوا من تلك المبادئ هم محل اقتدائه وأسوته.

3-                       ووسائل كانت ناجعة في خدمة المبادئ أبدعها هؤلاء القدوات، ولكنها لا تدخل في محل التأسي والاتباع.

لذلك كان من أهم أدوات فهم التاريخ السياسي هو التمييز بين المبادئ والقدوات  والوسائل وعدم الخلط بينها ووضع حدّ فاصل بين الوحي والتاريخ وبين النص والاجتهاد بين المطلوب والممكن.

مما سبق نجد أنه حتى ننهض بفقهنا السياسي ونعيد له روح التجديد والاجتهاد ليأخذ روح عصره دون الانفصال عن أصله لا بد لنا من تجاوز الخطاب السياسي المؤول الذي شاع في حقبة الملك العضوض، والذي جاء ليقبل بمفسدة الانحراف السياسي في مصادرة حق الأمة في اختيار السلطة مقابل مصلحة وحدة الأمة السياسية من باب السياسة الشرعية.

ونعود إلى الخطاب السياسي الشرعي المنزل الذي ساد في حقبة الخلافة الراشدة حين كانت الأمة هي مصدر السلطة، وهي التي تمارس حق الرقابة والمحاسبة للسلطة بناء على ما أعطته النصوص الثابتة لها من حقوق سياسية بيَّنها الخليفة الصدِّيق رضي الله عنه في خطبته المشهورة.

مقدمات في الفقه السياسي

المقدمة الثالثة: فقه التمكين والاستضعاف

تمتاز النظرية السياسية في الفقه الإسلامي أنها تجمع بين الثبات والمرونة على نحو تكون فيه قادرة على الحركة الإيجابية في ظروف التمكين والاستضعاف.

وإن من أهم أسباب اضطراب الفقه السياسي عند الكثيرين: هو سوء التقدير عند إناطة التكليف بالاستطاعة، ويظهر ذلك بالحكم على العاجز بالقدرة، فيكلف ما لا يستطيع، فيقع في العنت والحرج، وربما يفضي إلى التهلكة، أو بالحكم على القادر بالعجز فيفضي إلى التحلل من التكليف والتمييع للأحكام.

كما في مسألة إقامة الحدود عند من يتوهمون المكنة أو من يتركون زجر الناس على الحدود مع وفور القوة والشوكة، وكما في قضية إعلان الجهاد القتالي أو إعلان قيام الدولة الإسلامية عند من لا يأمن على نفسه من كشف اسمه.

من الثابت لكل مشتغل بالعلوم الشرعية أن إناطة التكليف بالقدرة أمر معلوم من الدين بالضرورة، يتوجب بوجودها، ويزول بزوالها، وقد تواترت وتضافرت الأدلة النقلية من الكتاب والسنّة على ذلك.

إن الله -تعالى- قد أخبر في غير موضع أنـه لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، كقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة: 286]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». رواه البخاري (7288) ، ورواه مسلم (1337).

كما أن القواعد الفقهية متضافرة على تقرير رفع الحرج، وإزالة المشقة، ومراعاة الضرورة، ورفع الضرر.

فالعلم بالتكليف والقدرة شرطان متلازمان لتوجب الأمر قال القرافي -رحمه الله-: ”يشترط في خطاب التكليف علم المكلف وقدرته على ذلك الفعل“ – الأمنية في إدراك النية ص4.

وإن من تمام العلم بالشريعة ومقاصدها التفريق بين مرحلة الاستضعاف والإكراه ومرحلة القدرة والتمكين وتغير الأحكام بين المرحلتين ضمن قواعد الاستطاعة.

فإن قيل: ما حد الاستطاعة والعجز؟ قلنا: أن لا يترتب على فعل المكلف ضرر راجح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والاستطاعة في الشرع هي: ما لا يحصل معه للمكلف ضرر راجح ) ...مجموع الفتاوى ١٤/١٠٣ .

وفي زمن الاستضعاف جاز للمسلم كتمان الدين تحقيقًا لمقاصده، وفي حال الإكراه الملجئ جاز للمسلم النطق بكلمة الكفر من غير أن يخدش ذلك في دينه. فعن قتادة في قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ )، قال: ذُكِرَ لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل الله تعالى ذكره: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا )[النحل: 106]، أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 106]. تفسير الطبري،ج17 ص302.

قال ابن حزم رحمه الله: "فأما ما عجز عنه فساقط، و أما ما لم يعجز عنه فباقٍ على وجوب الطاعة له" . الإحكام في أصول الأحكام ج1 ص4 .

وما جاز زمن الاستضعاف قد يكون محرمًا عند التمكين، وما أبيح حال الإكراه والاضطرار فهو محظور عند القدرة والاختيار؛ قال الإمام ابن القيم: (ومن قواعد الشرع الكلية أنه لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة) إعلام الموقعين ٢/١٧ ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل" - مجموع الفتاوى 20 /61 .

 والاستضعاف الذي يعتري الجماعة والفرد على نوعين استضعاف كلي لا يستطيع المستضعف إظهار شيء من أحكام الإسلام، واستضعاف جزئي يعجز المستضعف معه عن إقامة بعض أحكام الإسلام.

وكذلك ينسحب هذا التقسيم على التمكين فهناك التمكين الكلي، وهو القدرة على القيام بكل التكليف، والتمكين الجزئي وهو القدرة على القيام ببعض التكليف دون بعض، فينقص من حكم التكليف بمقدار ما ينقص من التمكين والاستطاعة، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (البخاري 1050) ، قال ابن تيمية في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فعلى الإنسان أن يتقي الله ما استطاع، وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان. (فتاوى ابن تيمية 591/28).

وقال العز بن عبد السلام: "إن من كُلِّف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه و عجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه. (قواعد الأحكام 19/2 ).

ومن هنا نعلم سقوط دعوى وشعار: "خذوا الإسلام جملة أو دعوه جملة".

كما أن الخلط بين ما جاز فعله زمن الاستضعاف وما يجب فعله زمن التمكين يؤدي إلى اضطراب في الرؤية والهدف وانحراف سلوك العاملين للدين. فعندما نؤصل لفقه الاستضعاف لا يجوز أن نجعل من حكم الاضطرار هو الأصل وقد نبه لذلك الشيخ عبد الر حمن بن ناصر بن عبد الله السعدي رحمه الله فقال:

(ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربّما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكُفَّار، كما دفع الله عن شعيب رجْمَ قومِهِ بسبب رَهْطِهِ، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان، فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عَمَلَةً وخَدَمًا لهم، نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم). انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير سورة هود الآية 84 الصفحة 389.

ولا فرق في حكم الاستضعاف والتمكين بين الفرد والجماعة، (قال الشوكاني: كانوا مأمورين من جهة الله -سبحانه- بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه، خفف عنهم، ورخص لهم لما علمه –سبحانه- من وجود الضعف فيهم، فقال: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين إلى آخر الآية، فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. (فتح القدير ج2 ص370).

كذلك لا فرق في اعتبار عارض الاستضعاف والعجز بين الحاكم والمحكوم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كذلك يوسف عليه السلام كان نائبًا لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان) الفتاوى 28/68 ، ويقول ابن تيمية رحمه الله: (والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يُقرّونه على ذلك) مجموع الفتاوى 19/218.

كذلك لا فرق في فقه الاستضعاف والتمكين بين التكاليف الشعائرية وبين التكاليف السياسية ومن فرق فعليه أن يأتي بالدليل المخصص، وإلا فدعوته ساقطة لعموم النصوص في ذلك.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر أن القدرة والاستطاعة غير متوقفة على قدرة المكلف الإتيان بالفعل، بل لا بد أن لا يترتب على فعله ضرر أكبر من المصلحة المتحققة على الفعل في غالب ظنه، يقول شيخ الإسلام: (فالشرع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنًا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية) منهاج السنة النبوية ٣/٤٩ ، وهذا ملحظ مهم لكل من يشتغل بالسياسة وهو عدم الدخول في مأزق الضرورة الواقعة، وإنما مراعاة الضرورة المتوقعة من خلال النظر في مآلات الأمر.

ولا بد من التنويه إلى مسألة، وهي أن الامتناع عن فعل أمر تَعذَّر صاحبه بعذر الضعف وانعدام القدرة هو من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد والنظر، ولا سبيل فيه للإنكار إلا عند مرضى القلوب المتلمسين للبراء العيبَ من أصحاب المزايدات المعتاشين على حمى التخوين والإسقاط للمخالف.

وإن ما سقناه من أحكام الاستضعاف لا يعني الرضا بالركون وبعث اليأس في النفوس، وإنما قطع الطريق على هواة التكفير، ويبقى واجبُ رفعِ العجزِ العارضِ، فرضًا لا يسقط بحال عن المكلفين الذي يمكن دفعه بالأسباب، بخلاف العجز القدري فلا تكليف بدفعه كالشلل والمرض المزمن.

مقدمات في الفقه السياسي

المقدمة الرابعة : الأحكام التعبدية والمصلحية في الفقه السياسي

تشتمل الشريعة الإسلامية على نوعين من الأحكام التكليفية منها ما هو معقول المعنى منوط بعلته ومنها ما هو غير معقول المعنى لا يناط بعلة مما يطلق عليه أمر تعبدي.

وما كان معللًا بعلة فإنه يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والأصل فيه النظر والاجتهاد للقاعدة الأصولية التي تقول: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا).

وما كان غير معلل بعلة فالأصل فيه الاتباع المحض، ومن هنا يظهر أسباب اضطراب الفقه السياسي عند البعض: في تعليل الحكم التعبدي أو توقيف الحكم المعلل، الأمر الذي يفضي بالمفتي إلى الابتداع، أو أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى؛ لذلك يجب على المفتي إذا عرضت عليه المسألة أن يحقق فيها هل هي تعبدية؟ فلا يقاس عليها غيرها، أم أنها حكم معلل يدور مع علته، ويقاس عليه فرع إذا اشترك معه بالعلة.

كمن تعبدوا اللهَ بلون الأعلام وشكلها والكتابة عليها وجعل ما سواها راية بدعية جاهلية مع أن معنى الراية التي وردت في الحديث هو الغاية من القتال فلم يتعبدنا الله تعالى بشكل الراية وإنما بالغاية من القتال.

وكما في اشتراط القرشية في الإمامة العامة فقد جعلها البعض حكمًا تعبديًّا، والحق أنه حكم معلل بعلة العصبية، وكثير من أحكام السياسة الشرعية هي أحكام معللة الأصل، فيها النظر في علتها ومعقدها والمصلحة المتوخاة منها.

إذا أثبتنا هذا الأصل وثبت لدينا أن أغلب أحكام السياسة الشرعية هي من قبيل المعلل، وهي في الغالب نصوص قليلة مجملة، وغالبها من قبيل المسكوت عنه، فهذا يثبت قاعدة أخرى في فهم مأخذ أحكام السياسة الشرعية، وهي الاستصحاب، وهي بقاء ما كان على ما كان، وهنا لا بد من تبين قاعدتين:

1-                       (الأصل في العبادات الوقف والاتباع ).

وخلاصة معناها أن المكلفين لا يجوز لهم أن يقدموا على عبادة من العبادات حتى يعلموا أن الله قد أَذِنَ فيها وشرعها لهم؛ لأن الله تعالى لا يُعبد إلا بما أراد، وقد ثبت  في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

2-                       (الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم) الأشباه والنظائر  للسيوطي ج1 ص60، والأشباه والنظائر لابن نجيم ج1 ص56. وهو من قبيل المسكوت عنه، فقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان أنه سئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فإن الله لم يكن نسيًّا.

عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ –تَعَالَى- فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، رَحْمَةً لَكُمْ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» الطبراني.

ولاستجلاء هذا المعنى نسرد مناظرة جرت بين أبي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء، قال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام.

وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرعَ.

فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرعَ. أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمُثَل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريق علي -كرم الله وجهه- الزنادقة في الأخاديد، ونفي عمر نصرَ ابنَ حجاجٍ.

ثم يعلق العلَّامة ابن القيم على ما سبق مؤيدًا لما ذهب إليه ابن عقيل فيقول: قلت: هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك في معترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرؤوا أهلَ الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل، وعطلوا مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوا من أوضاع سياستهم شرٌّ طويلٌ وفسادٌ عريضٌ، وتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه.

وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتِيَتْ من قِبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه -بأي طريق كان- فثمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره (إعلام الموقعين في كلام رب العالمين) لابن القيم الجوزية الجزء الثاني ص، 692-698 .

من كلام ابن القيم نخلص إلى نتيجة وهي أن القاعدة التي يدندن حولها البعض أنه لا بد لك في كل قول أن يكون لك فيها سلف، ولابد لك في كل حكم من نص- ليس على إطلاقها في الفقه السياسي، فكل أمر يحقق مصلحة راجحة ولا يخالف نصًّا شرعيًّا ولا إجماعًا منعقدًا فهو حكم شرعي، وإن لم ينص عليه من الوحي. وهنا طبعًا نقصد المصلحة المرسلة.

المصلحة المرسلة هي: المصلحة المُطلَقة غير المُقَيَّدَة بقيد خاص يستثنيها من المصالح العامة، ويجعلها مستقلة، وهي أيضًا غير منصوصة أي غير منصوص عليها بنص سلبي يلغيها أو بنص إيجابي يعتبرها، ولذلك فهي متروكة لتقدير المجتهدين بالرأي في كافة العصور، وليست مخصصة لعصر دون عصر، واعتبار المصلحة المرسلة -شرعًا-  مرتبط بما تحققه من منافع للناس، وما تدفعه عنهم من الأضرار، وهذا المقصد العام لما جاءت به الشريعة وهو تحقيق مصالح العباد وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها.

وهنا لابد أن نميز بين نوعين من المحرمات السياسية، فمنها ما هو محرم لذاته، ومنها ما هو محرم لما يقترن به من مفاسد وما يفتحه من ذرائع فكيف نتعامل مع هذين النوعين عند تعارضهما مع الضرورة، والمصلحة الراجحة، هنا تأتي القاعدة الأصولية التي تقول: (ما حرم لذاته لا يباح إلا لضرورة، وما حرم سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة وللحاجة). إعلام الموقعين 2/161.

وهناك من يبالغ بالتحريم من باب سد الذرائع إلى درجة إهدار المصالح، وهناك من يتوسع في فقه المصلحة إلى درجة لَيِّ أعناق النصوص، لذلك نجد من أسباب اضطراب الفقه السياسي عند البعض تقييد المصلحة حيث تكون المصلحة مُرْسَلة لم يقيدها الشارع، أو إرسال المصلحة حيث تكون المصلحة مُقيَّدة من الشارع.

وهذا كثير في باب السياسة الشرعية، كمن يجعل تسمية الإمام بخليفة المسلمين مسألة توقيفية، أو التحجير في كثير من الأحكام التي هي محل نظر وتقدير للمصالح.

فاستعمال مسميات الولاية والوالي والأمير والخليفة ليست تسميات شرعية وقفية لا يجوز مخالفتها، بل إن الأمر فيه من السعة ما تراعى فيه المصالح، فإذا أثبتنا أن جل الأحكام التي تتناول الفقه السياسي هي من قبيل المصالح المُرسَلة فهذا يسعفنا في إباحة الابتداع من الوسائل والضوابط والأنظمة والاستيراد من تجارب الأمم ما يحقق مصالحنا بما لا يخالف نصًّا شرعيًّا صريحًا في دلالته أو إجماعًا منعقدًا.

وقد رأينا في تاريخنا الإسلامي كيف استورد النبي -صلى الله عليه وسلم- فكرة الخندق من حضارة الفرس، وفكرة الخاتم من حضارة الروم، وفكرة المنبر من حضارة الحبشة، وكيف استفاد عمر -رضي الله عنه- من الفرس في تمصير الأمصار وتدوين الدواوين ووضع الأنظمة الإدارية للدولة الإسلامية دونما غضاضة في ذلك.

مقدمات في الفقه السياسي

المقدمة الخامسة: أحكام الإمامة

مما لا شك فيه، أن كلًّا من القرآن والسنّة (هما المصدران الأساسيان لأحكام هذه الشريعة الغراء ) ، والسنّة في الاصطلاح الشرعي: هي ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير.  [علم أصول الفقه عبد الوهاب خلاف ص36] . ثم اتجهت في طريق دلالتها على الأحكام، ثلاثة اتجاهات متميزة، وإن كل اتجاه منها ركز على طائفة معينة من الأحكام. وهي في مجموعها، تلك التي انعكست عن تبليغاته، وعن أقضيته، وعن سياسته في الحكم.

من أهم قواعد تنزيل الأدلة على أحوالها المختلفة قاعدة: مراعاة نوع التصرف النبوي. وتنزيل الأدلة على أحوالها المختلفة، من خلال قواعده المعتبرة؛ مثل النظر في أسباب نزول الآيات، وأسباب ورود الأحاديث، وما تتضمنه من الأدلة من قيود وأوصاف مؤثرة، وهذه قواعد ووسائل ظاهرة؛ لكن من القواعد - التي قد تخفى مع أهميتها في مباحث السياسة الشرعية:

النظر في نوع التصرف النبوي؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يتصرف بصفات عدة؛ إذ هو الرسول، وهو المفتي، وهو الإمام، وهو الحاكم، ولكل صفة منها خصائص استنباطية؛ وعليه فلا بد من مراعاة معرفة نوع التصرف النبوي الذي يراد الاستنباط منه:

هل صدرت من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بوصفه مُبَلِّغًا عن الله -تعالى- الذي هو مقتضى الرسالة؟

أو صدرت منه -صلى الله عليه وآله وسلم- بصفته يسوس الأمة؛ "لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس، فيقتدي به الخلفاء والأئمة في هذه التصرفات؟

 هذه أسئلة ينبغي على الفقيه بعامة والفقيه السياسي بخاصة أن يراعيها عند نظره في الدليل الشرعي من السنة النبوية ليفرق بين تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم.

أولًا- السنّة المتعلقة بالأحكام التبليغية:

هذا النوع من السنّة يجب اتباعه والتقيد به بشكل حرفي، ضِمن دلالته اللغوية والشرعية السليمة. ويجب الثبات على هذا التقيد خلال الأحقاب والأزمنة كلها. لا يبطلها أو ينسخها إلا قرآن منزل أو سنّة مثلها، طبق ضوابط وشروط معروفة لا مجال في هذا المقام لذكرها.

فما ثبت بهذه السنّة وجوبه أو حرمته أو إباحته أو كراهته أو أفضليته، يظل حكمه كذلك في حق الناس جميعًا إلى يوم القيامة. لا يلغيه قانون إمام ولا قضاء قاضٍ ولا اجتهاد مجتهد.

وجلّ أحكام الشريعة الإسلامية من هذا القبيل. فالربا والخمر والغلول والاحتكار والسرقة والفواحش والغيبة والنميمة وأمثالها، محرمات ثبتت حرمتها بأحكام تبليغية.

ثانيًا: السنة المتعلقة بأحكام الإمامة:

وهي من أهم الأحكام التشريعية المتكفلة بإقامة المجتمع الإسلامي وتنظيمه، تلك التي قضى الله –تعالى- بأن يمارسها الأئمة والحكام، ليسوسوا بها شعوبهم، ويضمنوا بها سلامة مجتمعاتهم وأمن أوطانهم، وليحرسوا بها صرح العقائد والأخلاق.

وهي تلك التي أُنيطت مباشرة بالمصالح العامة العائدة إلى الأمة كلها، دون ملاحظة حال أفراد منها على وجه الخصوص قامت بينهم لجاج وخصومات، ومن ثم فلا يجوز أن ينظر فيها ويبرم أحكامها إلا الإمام الأعلى للمسلمين.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الأحكام، إعلان حالة الحرب والسلم، وإبرام المعاهدات، وقتال البغاة، وتنفيذ الحدود، وأحكام أهل الذمة، وتوزيع الإقطاعات، وأحكام كل ما يدخل في دائرة الأحكام التنظيمية والإدارية المتعلقة بمصالح الأمة والبلاد. (انظر تفصيل ذلك في الأحكام السلطانية للماوردي: ص16).

فقد أمر الله رسوله -على سبيل المثال- بالجهاد، فقال له {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ولكنه ترك إليه اختيار أفضل السبل لتنفيذه والقيام به، .. وأعطاه حق المرونة في سياسة تطبيقه، على أن يكون محور ذلك كله تلمس المصلحة التي شرع من أجلها الجهاد.

فإن رأى المصلحة تقضي بإعلان الحرب على الأعداء فعل ذلك، وإن رآها تستلزم تأجيله إلى حين فعله، وإن رأى الخير في أن يبرم صلحًا موقوتًا معهم كان ذلك هو الواجب الذي لا مناص منه، وإن رأى المصلحة تدعو إلى تحريق بيوت الأعداء وقطع أشجارهم أمر بذلك ووجبت على الجند طاعته، وإن رأى المصلحة داعية إلى خلاف ذلك أصبح هو الواجب. فكل تلك الأحكام التي ينصّ الفقهاء على أن إبرامها والقيام بتنفيذها منوطان بإمام المسلمين، داخل في أحكام الإمامة.

وهي منثورة في أبواب مختلفة من كتب الفقه. قال القرافي رحمه الله: "اعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم؛ فهو -صلى الله عليه وسلم- إمام الأئمة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء؛ فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله تعالى إليه في رسالته ... غير أن غالب تصرفه -صلى الله عليه وسلم- بالتبليغ ؛ لأن وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته -صلى الله عليه وسلم-:

منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعًا [كإبلاغ الصلوات وإقامتها وإقامة مناسك الحج].

ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء [كإلزام أداء الديون، وتسليم السلع، وفسخ الأنكحة].

ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، [كإقطاع الأراضي، وإقامة الحدود، وإرسال الجيوش].

ومنها ما يختلف العلماء فيه [كإحياء الموات الحربي، والاختصاص بالسلب لمن قتل الحربي] ؛ لتردده بين رتبتين فصاعدًا، فمنهم مَن يُغَلِّب عليه رتبة، ومنهم من يُغَلِّب عليه أخرى [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي: 109].

ومن الأمثلة التطبيقية لذلك، المعاهدة التي أبرمها النبي -عليه الصلاة والسلام- بين المسلمين ويهود خيبر بعد غزوة خيبر. فقد رأى -عليه الصلاة والسلام- بوصف كونه إمامًا أعلى للمسلمين أن المصلحة لهم تقتضي أن يستجيب لما اقترحه اليهود عليه، فيبقيهم على أراضيهم التي كانوا يعملون فيها، والتي أصبحت ملكًا للمسلمين، على أن يعملوا لهم فيها كما كانوا مقابل أخذهم بعض ما يخرج منها.. ثم تولى الخلافةَ أبو بكر، فرأى أن يبقي هذه المعاهدة على حالها، إذ لم يجد ما يستدعي إلغاءها. ثم جاء من بعده عمر، فرأى بعد حين أن يلغيها ويُخرج اليهود من خيبر بناء على ما لمسه من التطورات والمصالح المستجدة التي اقتضت بنظره ذلك (تفصيل هذه المعاهدة في صحيحَيِ البخاري ومسلم).

إن معظم ما يسمى بأحكام الإمامة معروف ومتفق عليه، وهو باختصار كل ما يتعلق بسياسة السلم والحرب وتوزيع الإقطاعات وتنظيم العلاقات المناسبة بين المسلمين وغيرهم إلى جانب القضايا التنظيمية والإدارية على اختلافها.

ثم تصرفاته -صلى الله عليه وسلم- بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة؛ فكل ما قاله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكمًا عامًّا على الثقلين إلى يوم القيامة ... وما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- على سبيل أحكام الإمامة لا يلزم الإمامَ الذي يأتي من بعده إلا على سبيل ما يحققه التصرف من مصلحة، كما فعل عمر -رضي الله عنه- مع يهود خيبر.

ومما يجب التنبه له هنا أن المسألة من أخطر مسائل الاستدلال، وهذا أمر يدركه المحققون الفقهاء، ولهم في التحقق منه ضوابط لا يتجاوزونها، غير أن بحث هذه المسألة في هذا العصر الذي كثر فيه المشاغبون على شرع الله والمتهاونون في التثبت من سلامة طرقهم في الاستدلال- يقتضي التنبيه على أهم ضوابط هذه القاعدة عند العلماء، وذلك في أمرين:

الأول: أن جميع تصرفات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بجميع صفاته مما لم يثبت اختصاصه به -صلى الله عليه وسلم- فهي تشريع لأمته سواء منها ما كان عامًّا ككل ما صدر عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- بصفته مُبَلِّغًا ومفتيًا أو ما كان خاصًّا كالصادر عنه بصفة الإمامة العظمى والولاية أو الحكم والقضاء. وهذا أمر متقرر عند علماء الأمّة.

الثاني: أن الأصل في تصرفاته صلى الله عليه وسلم هو الفتيا، فلا يجوز قصر تصرف على وصف سواه، إلا بدليل شرعي معتبر عند أهل العلم، سواء كان دليلًا خاصًّا كما في الأمثلة السابقة، أو إجماعًا.

قال الشيخ العلّامة المحقق سلطان العلماء العز بن عبد السلام -رحمه الله- في بيانه أمثلة قاعدة الشريعة في الحمل على الغالب والأغلب: "ومنها: أن من ملك التصرف القولي بأسباب مختلفة، ثم صدر منه تصرف صالح للاستناد إلى كل واحد من تلك الأسباب فإنه يحمل على أغلبها، فمن هذا تصرُّف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالفتيا والحكم والإمامة العظمى، فإنه إمام الأئمة فإذا صدر منه تصرُّف حُمل على أغلب تصرفاته، وهي الإفتاء ما لم يدل دليل على خلافه". (قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/244).

من هنا نعلم أن التطبيق الحرفي للسنّة النبوية، ليس هو التفسير الصحيح دائمًا لوجوب التمسك بها والرجوع إليها، بل ما أكثر ما يكون التطبيق الحرفي لها تنكُّبًا عنها ومخالفة لها، وإنما المقياس المتبع في ذلك هو قدرة الناظر فيها على التفريق بين أنواع التصرف النبوي.

ونعلم متى وأين وكيف نطبق القاعدة الفقهية القائلة: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان. فإن هذه القاعدة لا تعني في يوم من الأيام إمكانَ إدخال أيّ تبديل أو تغيير في نطاق الأحكام التبليغية التي دلَّت عليها السنّة المطهرة، من خلال صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم (بوصف كونه نبيًّا يبلّغ عن ربه إلى الناس ما أُوحي إليه، وإنما هي تعبير عن المرونة التي تتّسم بها أحكامُ الإمامة).