إسرائيل وحروب التضليل الإعلامية.. التعامل مع خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي

إسرائيل وحروب التضليل الإعلامية.. التعامل مع خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي

في خضم الصراع الوجودي الذي تخوضه الذات الفلسطينية على فضاءات وساحات متعددة وعبر وسائل الإعلام المختلفة التقليدية والرقمية، والتي تعمل على نقل الصورة المباشرة لتوثيق جرائم الاحتلال، وفي سياق التصعيد الدموي الإسرائيلي على مختلف مناطق فلسطين المحتلة، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من المنشورات المكتوبة التي يمكن وصفها بالمحرضة على الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق فلسطين المحتلة 1948.

وفي توقيت مستغرب قام النُشطاء وراكبوا المنصات الاجتماعية ممن يسجلون حضورهم في كل حدث بإثارة النعرات بأشكال مختلفة في الموضوع الفلسطيني، تارة للتذكير بحوادث تاريخية متفرقة بين التاريخين الفلسطيني والعربي، والتركيز عليها لتشويه صورة الفلسطيني ودعم الرواية الإسرائيلية لإثبات عدم أحقيه التضامن مع الفلسطينيين.

وغالبًا ما ينقسم عمل مطلقي تلك الحملات على عدد من الجهات فمنهم من يخطط وتقوم بها وحدات أمنية إسرائيلية خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وآخرين يتخذون من الترهيب وإطلاق مئات الحسابات الوهمية لشتم كل من يتجرّأ على فضح الانتهاكات الإسرائيلية، وفئة للتبليغ ضمن حملات منظَّمة لإقفال الحساب، يرافقهم متخصصون بإثارة الغرائز والنعرات الطائفية، وتفتيت حملة التضامن العالمية مع فلسطين، ويدعمهم المتفاعلون والمتأثّرون بالحملات في وقت لاحق والنهاية حرب تضليل إعلامية تنطلق من الاعتبارات التالية:

1- الغش والخداع الإعلامي
2- حملات الترهيب الإعلامية
3- شيطنة العدوّ ضمن إستراتيجية طويلة الأمد

ضمن الحالة الفلسطينية مؤخرًا على منصات لتواصل الاجتماعي؛ بدأ السجال الإلكتروني بحرب الهاشتاقات، حيث انتشرت بكثافة وسوم saveelsheikhjarrah#، #أنقذوا_حي_الشيخ_جراح، #غزة_تحت_القصف، Gazaunderattack#، ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا هامًا في تداول المعلومات والصور والفيديوهات المتعلقة بالتصعيد الإسرائيلي، وتحولت المنصات إلى ساحة حرب افتراضية شارك فيها العديد من مشاهير العالم، وحين بدأت ردود الفعل الدولية، اتهم بعض النشطاء مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بالاصطفاف مع المواقف السياسية والدبلوماسية للقوى العظمى، ورصد وحظر المحتويات المؤيدة للفلسطينيين بحجة "مخالفة معايير النشر" الخاصة بالتطبيق أو المنصة الإلكترونية.

مصادرة وحجب الحسابات وإخفاء المحتوى الفلسطيني التي نشرت محتويات صُنفت "بالحساسة"، تم بشكل تلقائي من قبل الموقع أو المنصة، ومن الممكن أن تتم إزالتها في حالة الإبلاغ عنها، وللتحايل على الحظر؛ لجأ الكثيرون إلى حيل مختلفة للهروب من خوارزميات والتحايل عليها لنشر المحتوى الذي يريدونه دون التعرض لحذف المنشور مستخدمين حيل مختلفة لإفشال حروب "الخوارزميات" وتمثلت في:

1- تفريق حروف بعض الكلمات سواء عن طريق نقاط أو عن طريق ترك مسافة بين حروف الكلمة الواحدة.
2- استخدام ذات الكلمات العربية، ولكن مع استبدال حرف واحد باللغة الإنجليزية.
3- استعمال موقع "تجاوز"، أو موقع "س" للرسم العربي القديم، وتطبيق "اكتب".
4- الكتابة بدون تنقيط.

وكان للمستخدمين أفرادًا وجماعات القدرة على التفاعل بشكل تشاركي للتنظيم، وفي المقابل ثمة استراتيجيات وطرق مختلفة معتبرة لبعثرة الخوارزميّات ضمن المساحات الرقميّة ومثل هذه الإستراتيجيّات، يطبقها مستخدمون على الإنترنت لنشر المحتوى بأساليب مختلفة، وعلى منصات عديدة لمواجهة إغلاق الحسابات، وحذف المحتوى، وفلترة المحتوى، وتقييد المشاهدات والتقييم، وتوقيف الحسابات الزمنيّ، وغيرها من أدوات قمع حرية التعبير، ومن ضمن الاستراتيجيات:

1- توزيع الموادّ المنشورة على منصات مختلفة.
2- التنويع في أشكال النشر.
3- التلاعب اللغوي في النصوص إذا كانت الحسابات دائمة التعرّض للإغلاق أو حذف المحتوى.
4- إنتاج المحتوى الرقمي في مساحات مفتوحة المصدر وإعادة بناء السرد فيها.
5- تقطيع المحتوى إلى أجزاء.
6- تجنب محتوى الصور الّتي يمكن أن تخالف سياسات المنصّة مثل الجثث والدم.

على أرض الواقع نجحت هذه الحيل في بعض المنصات في أول الأمر ومن ثم تم تحديث الخوارزميات وتم التعرف على الكلمات وحذف المنشورات التي ذكرت فيه بشكل تلقائي، ناهيك أنها لا تمثل نمطًا ناجحًا من أنماط التحايل؛ باعتبار تلك المواقع تمتلك خاصية لمعالجة اللغات، حتى لو كانت الكلمة غير مكتملة أو مكتوبة بشكل مختلف، وتستطيع مواقع التواصل اكتشاف وتحري الكلمات المختلفة، لكنها تحتاج إلى فترة حتى يتمكن النموذج الخاص بالذكاء الاصطناعي من قراءة المكتوب والتعرف عليه.

وأصبحت عملية إزالة المحتوى تخضع لرقابة دقيقة من خلال تقنية الذكاء الصناعي والخوارزميات التي تحلّل وتدير المحتوى في المنصة بمختلف اللغات، وأصبح واضحًا أن قرار المنصات جاء بالتنسيق مع إسرائيل لا نتيجة استعمال محتوى مخالف أو خطأ فني كما حاولت المنصات تبرير ذلك من خلال البيانات الرسمية، وكشف الاتفاق عن تورط هذه المنصات بوضوح في انتهاك الحقوق الأساسية للفلسطينيين ومن ضمنها الحق في التعبير، والحق في التجمع والتظاهر في الفضاء الرقمي في محاولة لفرض الصمت حتى لا تُرى النتيجة بأعين المدونين.

والسؤال الذي يطرح نفسه رغم محاربة منصات التواصل الاجتماعي المحتوى الفلسطيني عن طريق حذف المنشورات والوسوم المتعلقة؛ هل نجح المحتوى الفلسطيني في الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي العالمية؟

ضمن الواقع الفلسطينيّ ثمة اضطهاد ممنهج في التكنولوجيا الرقمية يتكرر بطرق مختلفة في استخدامات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، ولكن طالما تم توثيق اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي وفضح انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين ونشرها عبر المنصات الرقمية فقد نجحنا في مواجهة حروب التظليل الإسرائيلية عبر التوثيق الميداني للأحداث، وزاد الوعي وإرادة التحرر فأخذ الفضاء الافتراضي أبعادًا أوسع وتَحوَّل إلى رمز حقيقي لرفض تجاوزات الاحتلال الإسرائيلي عالميًا في صورة لتشكيل وعي سياسي غير مسبوق على الصعيد العالمي مع القضية الفلسطينية.

أحد الحلول الأساسية في كشف ومواجهة التضليل الإعلامي الإسرائيلي وتقع بالكامل على الأفراد وهو منع قدرة الرواية المضادة على التغلغل، وعلى تسويق نفسه واندماجه في الجماعة فإذا كان مستوى الاندماج عاليًا، كانت قدرته أكبر على التضليل، وإثارة الفتن والقلاقل، وتعزيز الحس النقدي للنشطاء في وسائل التواصل من خلال الإجابة على أسئلة من نوع: (من يطرح الموضوع؟، لماذا يطرحه؟، ما هي أهدافه؟، ما الذي يُفيد قضيتي إن تفاعلت معه سلبًا أو إيجابًا؟). كذلك المساهمة في الإعلام الرقمي التشاركي والبعد عن الفقاعات المغلقة لشبكة الأصدقاء والمتابعين والاعتماد على مصادر معلومات موثوقة، وعدم فتح روابط غير موثوقة المصدر أو المحتوى وأخيرًا تغيير الصور النمطيّة الّتي تظهرها محرّكات البحث حول الموضوع الّذي تطرحه، من خلال إعادة سردها نصيًا وبصريًا. 

بقلم: 
الإعلامي الأردني باسل النيرب
المصدر: 
الدرر الشامية



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.