حكاية ثورة في عقد من الزمن

حكاية ثورة في عقد من الزمن
  قراءة

ما أصعب أن تغوص في تفاصيل ذاكرتك وتفتح دفاتر ذكريات الماضي من بداية انطلاقة الثورة حتى عقدها الأول، ولكنه واجب لا يمكن الاستغناء عنه لضرورة نقل الأحداث والتجارب والخبرات للأجيال القادمة.

وجال في خاطري بعض المآسي والذكريات اكتبها لولدي حتى لا تضيع بين ركام الماضي.

- يا بني: بادئ ذي بدء عليك معرفة الأسباب الحقيقية التي خلقت من أجلها؛ فحين تعرف مهمتك وواجباتك  في هذه الحياة وتتعلم أمور دينك على الوجه الصحيح؛ ستتمكن بإذن الله من تحقيق الصبر وتتحمل الضغوطات والابتلاءات التي تتنزل عليك و تحتسب الأجر والثواب عند الله.

- يا بني: خروجنا بثورة الكرامة كان محض أمر حتمي وخيار لا بد منه غير خاضع لمؤثرات خارجية رغم استثمارهم لها ومحاولاتهم المستمرة لتحريفها عن مسارها الحقيقي، وما حصل ليس قرار نابع عن تفكير وتخطيط مسبق أو تأثر بعوامل اقتصادية أو سياسية معينة فقط، بل كان عفويًا تلقائيًا ًنتيجة الضغط المتزايد، وانطلاقها هو بمثابة ولادة جديدة لنفوسنا الغائبة في زنازين العبودية والجهل والموت، وأرواحنا التائهة الغارقة في الحضيض، وفرصة أخيرة للخروج من قاع الظلام إلى علياء النور.

- يا بني: الظلم الذي كان يمارس على شعبنا ليس محصورًا بالمعارضين للمنظومة الحاكمة بل كان شاملًا وعامًا على كل الطبقات والشرائح بحسب أهوائهم ومصالحهم، وكانت المفاصلة لكل من عنده ضمير حي بعد استباحتهم لشعائر ديننا ومساجدنا ودمائنا وأعراضنا وكرامتنا وأرضنا، فتشكّل فريقان الطرف الأول رجال يكبرون ويسبحون الخالق عز وجل ويفضلون الموت على المذلة والخنوع، وبالجانب الآخر حثالة يسبون الذات الآلهية ويسجدون للطاغية ويسومون الأبرياء العزل أشد العذاب.

- يا بني: قدم شعبنا البطل فلذات أكباده وخيرة شبابه بين شهيد ومعتقل ومفقود والكثير من التضحيات،ولم يتوان أبدًا عن العطاء، لهفي على رفقاء الدرب الذين رحلوا، وكم تفطر قلبي على رؤية كل شهيد في ريعان شبابه ربما لم أكن أعرفه من قبل وتراه مضرجًا بدمائه وتشارك بحمله، فتمنيت حينها أن أكون مكانه وأقتل ثابتًا على مبادئي، وتخيلت مقدار حزن أحبابي وأصدقائي خاصة أنني لم أودعهم كلهم، ولكن بعد مدة كل الأحاسيس تتلاشى، فالمشاعر قد تبلدت وتجمدت من كثرة الصدمات ومشاهد الموت والدمار.

- يا بني:  عند اختيارك لهذا الطريق ستحزن أمك على فراقك وتسهر الليالي الطوال وهي حائرة لا تعلم ما هو حالك، وتدعو الله بقلب محروق أن يحفظك ويحميك، أما أنا يا ولدي سأكون فخورًا لأنني أنجبت رجلًا ثائرًا مثلك، وزوجتك تبقى مترقبة في كل ساعة تنتظر قدومك، وأطفالك الصغار يسألون بلهفة أين أبي ولماذا تأخر؟، هكذا سيكون حال أخوتك وعائلتك وأصدقائك في حالة قلق وترقب لا ينتهي!

- يا بني: لا تزال أطلال الحي الذي  ترعرعت فيه تطاردني في أحلامي وأنا أتجول بشوارعه وأصلي بمساجده وأسلم على جيراننا وأشتري من المحلات المجاورة لمنزلنا، وتجتمع العائلة في بيت جدنا يتبادلون الأحاديث والضحكات، فعليك أن تكمل ما بدأنا به وتستمر في طريقك حتى يعود كل سوري إلى مدينته وبلدته وقريته.

- يا بني: لم أكن أريدك أن تعيش هذه الأيام الكالحات وويلات الحروب ولوعة الحرمان ولكنها بالتأكيد أحلى من نعيم بلا كرامة وركون للمذلة، لم أكن أريد أن أبقى شاهد زور وأنا أرى غياب الفضيلة بشكل تدريجي وممنهج وتحل محلها الرذيلة، رفضنا حينها أن نبقي رؤوسنا في التراب وقرارنا هو أن نرفعها ولن يعيقنا عن تحقيق أهدافنا غدر كل أبالسة الجن والإنس.

- يا بني: ريح الثورة وعطرها وحده هدم أصنام الطغيان، لا تستسلم ولا ترضخ ولا تساوم، ولا تنسى أبدًا ما فعلوا، وعدونا الظالم سيرتحل ويهزم لامحالة، فلا تيأس مهما طال الزمن فجدار الخوف هدم وحل محله شعلة الأمل التي لا تنطفئ، وعزنا بسلاحنا وهو مصدر فخرنا، ولا تخذلوا كل من ساهم بنصرتنا، ولا ترتضي غير المعزة والمكارم.

- يا بني: دعك من التعصب لحزب أو جماعة أو شخص، ولتكن بوصلتك هي الثورة، وابتعد كما بين المشرق والمغرب عن الظلم والكبر، واحذر من رفاق السوء، وأتمنى أن يكون جيلكم قد تخلص وتعافى من براثن العقلية البعثية التي أعاقت تقدم ثورتنا، وعليك بالعلم النافع، وتمسك بالمنهاج الوحيد للخلاص قرآننا الكريم والسنة النبوية.

- يا بني: احذروا من سراب المسارات السياسية التي تعيد إنتاج منظومة الحكم نفسها، أو تستبدل ظالم علوي بآخر سني، ولا تسمحوا لأحد أن يقطف ثمرة الثورة ويجعلها رهينة لأجندات خارجية ومصالح شخصية، وشعبنا الكريم متعطش لأن يرى نموذجًا مشرقًا لعدالة ورحمة الإسلام بعد أكثر من نصف قرن من مرارة وجور حكم الطغاة.

- يا بني: بكم يتحرر الأسرى والأسيرات ونستعيد الأرض بقبضتكم وبغضبتكم يصان البيت والعرض، وبكم تأتي نهضة القيم.. أنتم بناة الحضارة ومجد أمتنا.. أنتم القامات وتاج رؤوسنا.. أنتم رجال الله في الميدان.. بكم نمضي وننتصر بإذن الله.

بقلم: 
علي صابر











تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات