في أقبية الموت ....أهوال تفوق الخيال!!!

في أقبية الموت ....أهوال تفوق الخيال!!!
  قراءة

من مذكرات معتقل سوري سابق في سجون الأسد، الموت كان أمنية، الموت كان للجراح أغنية هذا ما كنا ننشده كل صباح، في زنازين الأسد السوداء لا شيء يضارع التعذيب في ذلك المعتقل ، إلا قسوة انتظاره كل ساعة، أو وصول أنبائه المروعة الى أهالي المعتقلين.هل لنا أن نتصور مئات الآلاف، من الأمهات السوريات البواكي كل ليلة على فلذات أكبادهم؟

كان الموت يطل على مهاجعنا، كل صباح وكل مساء، تارة عبر أعواد المشانق، وأخرى عبر القتل بقضبان الحديد وكابلات النحاس، والجَلد الطويل، ويفعل المرض والجوع والقهر فعله، فيكمل ما أخطأته أيدي الجلادين، عبر أدوات القتل المباشر.
كأن يقوم خمسة أشخاص بطرح الأسئلة في آن واحد، بينما أنت تشعر بالبرد والعطش، وشفاهك تقطر دما، وتعجز عن التركيز إذ أن  الجميع يصرخون في وجهك و يضربونك.

 وروى بأنه قد احتفظ بأظافر أصابع قدميه التي قاموا باقتلاعها، وقطع الجلد التي انتزعت من قدميه نتيجة الضرب المبرح.، ووضعها في جيبه على أمل تقديمها كدليل لأحد القضاة، غير أنهم في أحد الأيام أخذوا منه سرواله أيضا.

في فرع المخابرات الجوية في حلب أمضت معي فتاة تدعى أميمة خمسة أشهر بنفس المهجع، لم يكن هناك شيء يقطع سكون الغرفة الخشبية سوى صدى أنينها العتيق والحزن الذي يسكن كل ما حولها . كل الأشياء كانت تبكي معها كأنها جثمان ذاك الشقاء الذي تعيش فيه.

أميمه فريسة الذكريات وأنا أعرف ظلم الذكريات … بكاؤها الذي لم يتوقف منذ ثلاث سنوات حتى اليوم لا يزال أبلغ من كل اللغات ذاقت فيها كل ألوان العذاب والاغتصاب . اغتصبوا روحها قبل جسدها و كرامتها قبل أنوثتها و أحلامها قبل ذاتها حينها عرفت كيف يتوحش الإنسان ويتحول إلى مسخ شنيع.. حيث كنت أنا ذاتي أستنجد بالجدران تحت التعذيب فكيف بها، جمال وجهها ضمن لها مرات أكثر من الإغتصاب من كل الوحوش والمسعورين هناك في كثير من الأحيان لم تكن ترى وجوههم بعد أربعة أشهر تركوها دون أي شيء حتى هويتها أضاعوها .

لم يبق من عائلتها سوى أمها العجوز .بعد أن استشهد أخوها ولكن الفاجعة الكبرى أن أميمه خرجت من الفرع وهي حامل لم تكن تعرف في الشهرين الأولين أنها حامل بطفل لا تعرف حتى هي من هو أبوه التعذيب الشديد كان أحياناً يجعلها تنزف وبهذا لم تتوقع أبداً أن تكون حاملاً بعد خروجها
وبعد أن خرجت التقيت بها كانت تقول لي ليتني مت يوم ماتت عٌلا وفاطمه بالفرع وتضرب بيديها على رجليها وهي جالسة على الأريكة أمامي
هول كلماتها أصابني بدوار شديد . كنت أتساءل عن سبب حزنها القاتل هل هو الشعور بالذنب !!

وأي ذنب إرتكتبته أميمه سوى أنها سورية، ومن يلومُ أميمه وهي معتقلة عند أسفل وأحقر مخلوقات مرت في تاريخ البشرية.
أميمه كانت تبكي وتهرب من أن تلتقي عيناها بعيني لشعورها العميق بالخجل كأنها عاهرة أنجبت ِسفاحاً رغم أنها من أشرف نساء الأرض .

أميمة سورية.. نعم سورية … و يكفي أن تكون المرأه سورية حتى تكون حره وأبية.. أميمة جرحنا السحيق ،أميمة امرأة برائحة وطن..
ربما ما يرويه المعتقلون الذين خرجوا من هذه المسالخ البشرية ليس إلا فيض من غيض ما يعانيه المعتقلون إلى اليوم، لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً وغصة هي أن الروايات الأكثر قتامة وقسوة هي التي دفنت مع أصحابها الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت سياط جلاديهم.

ستموت يوماً أيها السفاح ستموت ليس كما يموت عظماء الرجال .. بل كما يموت العار والرجس كما يموت السوء والمعصية ستموت وينساكِ الجميع إلا من اللعنات والشتائم.. فأنت أنت هو عارنا أيها المسخ الجبان ومن معك

بقلم: 
دعاء عبد الرزاق










تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات